المحرر موضوع: تاريخ الدولة العثمانية  (زيارة 2532 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل المجموعة العربية

  • منتمي
  • *****
  • مشاركة: 2508
تاريخ الدولة العثمانية
« في: نوفمبر 21, 2011, 09:44:22 am »
تاريخ الدولة العثمانية
(روبير مانتران)
مراجعة محسن شومان

"تاريخ الدولة العثمانية" الذي حرّره روبير مانتران ، صدرت طبعته الأولى بالفرنسية في باريس سنة 1989م ، ونشر مترجما إلى العربية في جزئين عام 1993م ، ويشتمل الجزء الأول الذي نعرض له هنا ، على مقدمة للمترجم ، وتمهيد ، وعشرة فصول ، ومذيلا بببلوجرافيا عامة وشاملة لأهم المراجع التي اعتمد عليها المساهمون في تحرير الكتاب ، وفهرس بالمحتويات ، وقد أتت جميعا في 660 صفحة من القطع المتوسط .
صدّر المترجم الكتاب بكلمة افتتاحية استعرض فيها دوافعه وأسبابه الخاصة التي حفزته ودعته إلى ترجمة هذا الكتاب الهام متمثلة في رغبته ترجمة عمل رئيسي عن تاريخ الدولة العثمانية بقصد تعميق درايتنا به لا سيما أن الكتاب يبدد بالفعل الكثير من الأساطير التي تحيط بالتاريخ العثماني .
أما مانتران ، فيقدم لموضوع الكتاب بتمهيد يعرض فيه لتطور حركة كتابة التاريخ العثماني منذ أن صدرت الترجمة الفرنسية لكتاب المؤلف الألماني جوزيف فون هامر بورجشتال بعنوان "تاريخ الإمبراطورية العثمانية " في 18 جزءا بباريس بين عام 35 و1843م ، وحتى ظهور آخر ما أمكن تحريره من تاريخ الدولة وهو كتاب ستانفورد شو بعنوان "تاريخ الإمبراطورية العثمانية وتركيا الحديثة" في جزئين سنة 1976م .
ثم يعزو الأسباب التي دعته هو وزملاؤه إلى وضع هذا المصنف إلى رغبتهم المشتركة في تقديم عمل يستند إلى المعطيات الجديدة والمتمثلة في وفرة المعلومات التي تقدمها بحوث ودراسات أنجزها مؤرخون أتراك وغربيون معتمدين على دور الأرشيف العثماني ، ومصادر تركية وفارسية وعربية كانت تلقى إهمالا جسيما من قبل ، والسعي نحو تجديد الاهتمام ، وتحليل عدد من القضايا والمشكلات والمسائل المتعلقة بالجوانب المختلفة للتاريخ العثماني ، مستفيدا في ذلك من الحالة الجيدة التي أصبح عليها علم الشؤون التركية _ الفرنسي.
كان التصور الغربي عن الدولة العثمانية سلبيا في مجمله ، ولذلك تبدو الحاجة ملحة _ من وجهة نظر مانتران _ وبحكم المعلومات المتوفرة إلى التحرر من أسر المفاهيم القديمة المتحيزة ، والاضطلاع بعمل تاريخي متحرر من أي مؤثرات سياسية ، ومتجرد من أي ميل أو نزوع أو هوى . لقد انتهت الدولة العثمانية إلى زوال غير أنها أخذت مكانها في التاريخ كقوة أولى عاشت على مدار قرون ، وهذا ما يفسر لنا أشكال الغيرة والحقد وحركات الانتقام وزعزعة الاستقرار ، ثم التدمير التي كانت هدفا لها ، ولن يكون بالإمكان رسم صورة لتاريخ أوروبا ، ولتاريخ بلدان حوض البحر المتوسط بدون التعرف الموضوعي على العثمانيين .
وتعالج إيرين بيلديسينو في فصل بعنوان"البدايات : عثمان وأورخان" النشأة الأولى للدولة ، فتعرض لرواية كاتب الأخبار التركي (عاشق زاده) في القرن التاسع الهجري/15م ، والتي كررها بشيء من التفصيل كتّاب أخبار لاحقون ، عن منح السلطان السلجوقي في قونية لأرطغرل والد عثمان بلدة "سيوط" كأرض خاصة له ولذريته . وكيف شرع في بناء دولته ، وتطور العلاقات بينه وبين الحكام البيزنطيين والقوى المحلية المجاورة بين عامي (83 و 1299م) ، والنجاحات التي أحرزها ، وتوجت بانتصاره في بافيوس على القائد البيزنطي موزالون سنة 1302م قرب نيقوميديا ، وضغطه المتواصل على عدة مدن بيزنطية ، وخضوع سلسلة كاملة من البلاد له بالقوة أو بالاستسلام ، ووفاة عثمان وقواته تقف على أعتاب بورصة بين عامي (24 و 1326م) .
وخلال عهد أورخان "ت 1362م" تبلورت الملامح الأولى لتنظيم السلطة ، فلم يكن حاكم الإمارة وحده هو القابض على زمام السلطة ، وإنما العائلة كلها .
وبدءا من الشطر الثاني من القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي ظهرت الإمارة العثمانية كتكوين سياسي سرعان ما أفلت من كل وصاية ، وجرى تدعيم سلطتهم السياسية بغطاء عقيدي "أيديولوجي" لتبرير هيمنة آل عثمان ، وإن تبدلت الدوافع عبر عدة سنوات لتصبح فكرة الغازي أو المجاهد في سبيل الله هي الأساس في آخر الأمر ، وجرى تصوير عثمان وأورخان كمجاهدين هدفهما نشر الدين الإسلامي والقضاء على الكفار العصاة .
ولم يكن العثمانيون الأوائل (بدوا بالمعنى الدقيق للمصطلح) ، فهم يحيون في قبائل ويمارسون مع أغنامهم الهجرات الفصلية ، لكنهم مع ذلك لم يعتزلوا الحضر ، أو ينأوا بأنفسهم عن حياة المدينة ، فقد أقاموا سلسلة من المباني في المدن حديثة الفتح ، وساهم أفراد السلالة الحاكمة والوجهاء في تزويد المدن بالمنشآت العامة ، ولعب الفقهاء والعلماء الكبار من أبناء المدن الأناضولية ذات التراث الإسلامي العريق دورا هاما في نشر الدين والثقافة الإسلامية عبر المراكز الحضرية إلى التخوم الحدودية ، وساهمت جماعات الإخوان (آخي) ، في توطين المسلمين بالمدن المفتوحة حديثا ، وإلى جوار السكان المدنيين المسلمين عاش تركمان شيعة إثني عشرية وجماعات دراويش ، فضلا عن يونانيين لم تنقطع صلاتهم مع مواطنيهم المقيمين بالقسطنطينية برغم محنة الغزو التركي .
وهكذا خلال قرن وحشي ، وبيئة قلقة مفعمة بالتوتر ، وإحساس عميق بانعدام الأمن لدى اليونانيين من جراء المخاطر التي قد يتعرضون لها مثل الموت في حرب أو في وباء ، أو البيع كعبيد على إثر غارة مدمرة مفاجئة ولدت الإمارة العثمانية ، بعد أن تمكن عثمان وأورخان الموضوعين على هامش العالم الإسلامي ، في وجه عالم مسيحي منقسم على ذاته ، من ربط الحظ والذكاء بالقدرات العسكرية لكي يرتفعا معا على مسرح التاريخ .
وبعنوان "صعود العثمانيين" يعالج نيقولا فاتان في الفصلين الثاني والثالث فترة تصل إلى قرن ونصف قرن من الزمان بين 1362و 1512م فيعرض للتطورات السياسية الداخلية ، والانتصارات العسكرية على خد سواء . إذ واصل مراد الأول "62 _ 1389م" بوصفه الخليفة الطبيعي لأبيه مسيرة أسلافه في الغزو والفتح ، فاستولى على "أدرنة أندوبينول" _ 1366 ، ثم على سيرس "1383" ، وسقطت صوفيا "1385" ، ونيش ولاريسا "1386" وسالونيك "1387" ، واعترف سادة تساليا بهيمنة العثمانيين ، ودخلت المودة في تبعيتهم ، وتم إخضاع علاء الدين أمير قرمان في الأناضول بقوة السلاح ، وإخماد تمرد قيصر بلغاريا وإجباره على دفع الجزية 1388 ، وهزيمة جيوش الصرب والبوسنة المتحالفة في معركة سهل كوسوفو "1389" التي اغتيل فيها السلطان ، وجرت عملية نقل السلطة إلى ابنه بايزيد الأول في هدوء ، ليرث العاهل الجديد دولة راسخة الأركان في البلقان ، وإمبراطورية لها شأنها بأوروبا .
ولم يقتصر عهد مراد على الانتصارات العسكرية وحسب ، وإنما أرسيت وطبقت أيضا قواعد الاحتلال العثماني لتوطيد الهيمنة على البلاد المفتوحة وجرت عمليات نقل السكان من الأناضول إلى الروميللي _ تراقية ومقدونيا _ لتدعيم الجهاد ، فضلا عن انتقالات عفوية أتت من إمارات أناضولية أخرى ، وأنشئت فرقة الانكشارية "يني جري" _ ومعناها العسكري الجديد _ ورسخت الإدارة العثمانية أقدامها في الروميللي وتم بناء إدارة مركزية قوية لدولة حقيقية وليست مجرد إمارة عادية .
وما أن أتيح لبايزيد الأول "1389 _ 1402م" الإمساك بناصية السلطة حتى سارع إلى إعادة فتح الإمارات الأناضولية التي أعلنت التمرد "89 _ 1390م" ثم قام بالاستيلاء على فيلادلفيا "آلاشهر" آخر الممتلكات البيزنطية في الأناضول أواخر 1390م ، لكن السلطة العثمانية في آسيا الصغرى لا تتوطد ولا يتحقق الفتح الحاسم للأناضول إلا في عام 1398م . كما شدد بايزيد من ضغطه على الامبراطور مانويل حتى أجبره على أن يظل تابعا يؤدي له الخدمة العسكرية ويدفع الجزية في 1391م ، ثم فرض حصارا على القسطنطينية استمر حتى نهاية عهده ، واستولت قواته على سكوبيا الصربية وتساليا "1391" ، وأعادت فتح سالونيك "1394" ، وأغارت على ألبانيا والمورة عدة مرات ، وسيطرت على دوبرجا ، واحتلت الحاميات العثمانية نقاط العبور عبر الدانوب "1395م" ، وأنزل الجيش العثماني بالتحالف الصليبي المعادي هزيمة نكراء في نيقوبوليس "1396م" أدت إلى استكمال احتلال بلغاريا ، وحصنت من مواقعهم في البلقان ، وزادت من هيبتهم .
وعلى الرغم من التهديد الذي مثله ظهور تيمورلنك في شمال شرق الأناضول بين عامي 1399و1400م ، فإن بايزيد كان في أوج قوته ، والدولة كانت آخذة في تنظيم نفسها ، فالانكشارية التي أنشئت في عهد مراد الأول شهدت إصلاحا ، وقطعت سياسة توطين السكان في الأراضي المفتوحة خطوات هامة ، وثبت البكوات أقدامهم على نهر الدانوب والبحر الأدرياتي ، وتعززت الإدارة المالية والقضائية ، وأنشئت سنجقيات جديدة ، لكن الروميللي كان لا يزال ذا أغلبية مسيحية ، والمنشآت الإسلامية به قليلة ، والوضع في الأناضول أقل مدعاة للاطمئنان ، والجيش المؤلف من عناصر مختلطة لا يدعو للثقة حتى أنه بدا عاجزا عن صد الهجوم التيموري ، بل لم تلبث فعالياته أن تهاوت سريعا عند أول صدام في سهل تشيبوكووا قرب أنقرة ، ووقع بايزيد في الأسر ، وانتهى عهده بكارثة لا سابقة لها .
وفيما بين 1402و1413م عاشت الدولة سنوات صعبة كادت أن تؤدي إلى تمزقها بسبب الصراع بين أبناء بايزيد الأربعة "سليمان _ محمد _ عيسى _ موسى" لتنتهي فترة القلاقل والاضطرابات باعتلاء أقدرهم لسدة الحكم وهو محمد الأول المعروف بمحمد الحلبي "13 _ 1421م" مما جعل التراث التركي يعتبره خليفة بايزيد الأول ، لكن الرجل وبسبب التمردات الشعبية التي واجهها وصراعه مع الأمراء الأناضوليين حاول أن يتجنب بقدر الإمكان التورط في أي نزاعات خارجية .
وقد اجتاز مراد الثاني "21 _1451م" الابن الأكبر لمحمد حلبي وولي عهده _ بنجاح كافة المصاعب الداخلية التي واجهته ، وبات الطريق أمامه ممهدا لتعزيز دولته ، فقاد بنفسه حملة ضد ترانسلفانيا والمجر "1438م" ، وهاجم صربيا واستولى عليها "39 _ 1440" ، وأجبر ملك البوسنة على دفع الجزية "1439" وحاصر بلغراد لكن القائد جان هونيادي فويقود ترانسلفانيا نجح في صد الهجمات التركية وأجبرهم على التراجع . وعندئذ تجدد الأمل في شن حرب صليبية لطرد الأتراك من أوروبا . ونظم المجريون والبابوية وأمير صربيا ما يسمى بالحملة الطويلة "43 _ 1444م" . لكنها لم تسفر عن شيء ، وعقد الطرفان إتفاق 1444م الذي نقضه الصليبيون ، وجرت وقائع معركة فارنا الشهيرة التي انتهت بهزيمة ساحقة للصليبيين لتصبح السلطة العثمانية في البلقان راسخة الأركان .
وبعد فارنا استولى مراد على المورة 1447م ، وهاجم ألبانيا ، ثم اضطر إلى الارتداد إلى صوفيا سريعا ليواجه هونيادي في سهل كوسوفو في موقعه عادت بالكوارث على المجريين ، وشنت قواته حملات على فلاشيا "1448" ، وألبانيا "1450" ، لتستعيد السلطنة كامل قوتها قبل 1402م ، وبوجه عام فقد انتهج مراد سياسة متعقلة ، ففي عهده تزايدت قوة الانكشارية ، وحققت البحرية تطورا ملموسا ، وتدعمت صلات أمراء الحدود بالسلطة المركزية ، وسعى دائما إلى تدعيم السلطة والاحتفاظ بتخوم وطيدة الأركان أكثر من توسيع ممتلكاته توسيعا ملحوظا .
وتمثل الإنجاز الحقيقي لمحمد الثاني "51 _ 1481" في فتح القسطنطينية "1453" _ الحلم القديم الذي طالما راود الفاتحين المسلمين _ والقضاء على ما تبقى من الدولة البيزنطية وإزالتها من التاريخ ، وضم صربيا "1459" ، والمورة "1460" وميناءي سينوب وطرابيزون "1461" ليصبح سيدا على الساحل الأناضولي للبحر الأسود ، وانتزاع نيجريونت "أوبييه" من البنادقة "1470" وهو حدث هام اعتبر بمثابة نقطة تحول فاصلة في الصراع بين البنادقة والعثمانيين ، وفي تاريخ شرقي البحر المتوسط .
وعلى الرغم من المنحى السلمي لتوجهات بايزيد الثاني "1481 _ 1512م" ، فإن السياسة العثمانية سوف تكون عدوانية عندما تتاح الظروف ، فقد تم ضم الهرسك بصفة نهائية عام 1483 ، وميناءي كيليا وآكيرمان "ستاتيا آلبا" المطلين على البحر الأسود عام 1484م ليصبح البحر الأسود عثمانيا ، وخاض _ بايزيد صراعا على فترات متقطعة مع الدولة المملوكية "85 _ 1491م" ، والبندقية "99 _ 1503م" ، لكن الخسارة التي مني بها أمام المماليك ، وتخليه عن قليقيا ومدينتيهما "قادس و أدنة" ، وتفكك الأناضول العثماني أمام تمردات أصحاب الرؤوس الحمراء "قزل باش" الشيعة أتباع إسماعيل الصفوي شاه فارس ، والعجز الواضح للسلطان وحاشيته أدى إلى تنافس أولاده على العرش في حياته ليتمكن أقدرهم من إجبار أبيه على التنازل عن العرش والحلول محله منهيا بذلك أزمة هي الأخطر منذ كارثة أنقرة ولذلك اعتبر عام 1512م نقطة تحول في التاريخ العثماني .
وفي الفصل الرابع تعالج نيكورا بيلديسينو "تنظيم الإمبراطورية العثمانية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر" ، فتعرض أولا للأساس الحقوقي للدولة الذي استند إلى دعامتين : القانون الإسلامي "الشريعة" ، والأعراف الحقوقية لسكان البلاد المفتوحة ، ولذلك فإن العاهل العثماني لم يكن بالأمير المطلق الصلاحيات ، وقوته بعيدة عن أن تكون حرة من كل قيد .
ثم يتناول بنية السلطة المركزية ، حيث يأتي القصر السلطاني على قمة هرم السلطة ويدير العاهل ولاياته بمساعدة الصدر الأعظم ، ويعاون الصدر ثلاثة وزراء وديوان يترأس أعضاؤه مختلف الإدارات التي تكفل من خلال موظفيها حسن سير عمل الباب ، وتنقسم الدولة إلى مقاطعات "سناجق" بكل منها وال ٍ"سنجق بك" له اختصاصات عسكرية وإدارية ويساعد ديوان ، يليه في المرتبة "صوباشي" وهو ضابط أمن بصفة أساسية وتتباين أعدادهم بحسب التقسيمات الفرعية للسنجق .
وعلى الرغم من أن الأحوال المالية كانت أقل ازدهارا ، فإن على الدولة بحكم سياستها العسكرية واتساعها ومصالحها أن تنهض بأعباء نفقات جسيمة ، ولذلك كانت تجري إحصاءات دورية يشرف عليها الباش دفتردار ضمانا لحسن التصرف ، كما أتيح للسلطان أن يتدخل في الشؤون المالية والقانونية وبخاصة فيما يتعلق بالضرائب والإيرادات المأخوذة من القوات الإقطاعية "أصحاب التيمارات" ، ويؤدي المحتسب دورا هاما في الإشراف على الأنشطة الاقتصادية
ومثل أي مجتمع منظم استند الباب العالي إلى قاعدتين : الحضر والريف ، لكن الدولة كانت ذات طابع حضري ضعيف خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر فقد استمد غالبية سكان المدن عيشهم من استغلال الريف المجاور الذي شكلت منتجاته المصدر الرئيسي للإيرادات ، وأنشئت صناعات صغيرة في المدن ومثلت مناجم الفضة والذهب والرصاص والنحاس في صربيا ومقدونيا الشرقية وورش سك النقود بالروميللي والأناضول قطاعا اقتصاديا هاما آخر ، وظهرت إلى جوار أصحاب الدكاكين والصناعات والورش الصغيرة والمشروعات الحرفية دور صناعة أكبر حجما تملكها الدولة وتستخدم أيدي عاملة أكثر عددا .
وفي المدن الأقل أهمية احتلت أعمال النسيج وبيع المنسوجات مكانة متميزة وظهرت مئات المحال والدكاكين وأعداد كبيرة من الحرفيين مسلمين ومسيحيين على السواء وازدهرت الأسواق .
ويعيش جزء ملحوظ من سكان الحضر على ريع الأرض ، وتبدو بنية القطاع الريفي بالغة التعقيد ، فالفلاح لا يتمتع إلا بانتفاع محدود الهكتارات يستحيل نقله إلا لابن ذكر ، وعليه أن يؤدي للتيماري رسم لقاء دخوله في الانتفاع ويسلم له عشر المحصول فضلا عن سلسلة أخرى من الضرائب . أما التيماريون "حائزو التيمارات" ، فهم فرسان يمنحهم الباب حق الانتفاع بقطعة من الأرض "تيمار" ، ويتمتعون بحق تحصيل عوائده الضريبية من فلاحيها ، وحق استغلال نوع آخر من الممتلكات نظير تجهيز قوة من الفرسان . ويؤلف عمال المناجم فئة اجتماعية مهنية خاصة في شبه جزيرة البلقان منح المستغلون منهم حقوق حيازة وانتفاع واسعة وتمتع العمال باستثناءات كبيرة لم تتح لغيرهم .
وعلى ذلك فـ (المجتمع العثماني ليس إقطاعيا) ، فالفلاح العثماني ليس قنا مرتبطا بالأرض مثل الفلاح الغربي ، ويمكنه في ظروف معينة أن يهجر قريته الأصلية والنزوح للإقامة في مكان آخر ، والتيمار ليس ملكا للتيماري وإنما هو مجرد منتفع يحوز حق التصرف في التيمار بشكل مؤقت ، ولا يجمع بينه وبين الإقطاعية وكثرة فروض النظام الإقطاعي الغربي شيء .
وكان الجيش العثماني بتشكيله ووحداته البرية والبحرية أداة حرب أرقى من أدوات جيوش الخصوم ، وبذلك قطع شوطا بعيدا في هجر أساليب الحروب البالية العتيقة . ويسكن بالسلطنة جماعات ذات أصول متباينة "بلغار _ صرب _ ألبان _ فالاش _ يونان _ أرمن" وديانات مختلفة "مسلمون _ مسيحيون _ يهود" ، وإن تباينت أعدادهم وتوزيعاتهم في هذه المناطق كل على حدة . وبذلك كانت السلطنة (دولة متعددة القوميات) ، ينتمي رعاياها إلى عدة ديانات لكنها إسلامية سلطانا وقادة وقانونا .
ولم يسع الباب إلى تحويل رعاياه المسيحيين واليهود إلى اعتناق الإسلام ، ولم ينتهج سياسة شاملة تتجه نحو التتريك أو الأسلمة الإجبارية ، وبسبب سياسة التسامح الديني هذه نجحت الحضارة العثمانية في فرض نفسها ، وفي تشكيل بعض جوانب الحياة في البلقان بحيث يمكن القول بأن الأتراك هم الذين أرسلوا اللبنات الأولى لحضارة مدنية حديثة . فقد وضعت سيطرة العثمانيين حدا للفوضى التي كانت سائدة في الأناضول والبلقان ، ووفرت عامل الاستقرار السياسي وأمنت النشاط الاقتصادي ، واجتماعيا حملت معها معاول هدم القنانة لغالبية الفلاحين , وجددوا في المجال العسكري بإنشاء جيش متحرر من كل ارتباط قبلي ، ومرتبطا إرتباطا كليا بشخص العاهل ، وأدخلوا نمط حياة جديدة في البلدان الملحقة ، وأنشأوا هياكل حضرية مغايرة لتلك الشائعة في الغرب ، وقدموا استشرافا للدولة الحديثة حين جعلوا العاهل مقيدا في ممارسة سلطاته بالشريعة والقانون العرفي للشعوب الخاضعة .
وفي الفصل الخامس "أوج الإمبراطورية العثمانية : الأحداث 1512 _ 1606 م" يعرض جان لوي باكي جرامون لفترة حكم سليم الأول "12 _ 1520 " التي انتهت بجعل السلطنة العثمانية القوة الأولى في العالم الإسلامي ، وعهد سليمان القانوني "20 _ 1566" الذي خاض ثلاث عشرة حملة ضد الخصوم والأعداء ، وأرسى دعائم دولة وطيدة البنيان على القواعد التي خلفه سلفه . ثم أخيرا وفي عجالة لحكم سليم الثاني "66 _ 1574" الذي ترك ذكرى كعاهل غير كفء في التاريخ العثماني ، وعهدي مراد الثالث "74 _ 1595" ، ومحمد لثالث "1595 _ 1603" الباهتين حيث برزت في هذه الآونة شخصية الوزير الأعظم (محمد باشا صوقللو) الذي استطاع أن يحد من الآثار السلبية المترتبة على مبادرات سليم الثاني ومحاسبيه ونجح في الإبقاء على عظمة السلطنة حتى وفاته "ت . 1579" .
ويشير اختفاء صوقللو لبداية ظهور الإمارات الأولى للانحطاط والتدهور العام ، وبذلك ترمز عهود سليم الأول ، وسليمان الأول ، وسليم الثاني إلى أوج التوسع العثماني في أوروبا البلقانية والوسطى والبحر المتوسط والشرق الأدنى . وإلى تنظيم داخلي ، وإذا جرى توطيدها تدريجيا ، وأعطت للدولة هياكل راسخة البنيان صنعت عظمة السلطنة ، ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن يلقب الأتراك سليمان الأول _ المعروف عند الغربيين بالأكبر _ بالقانوني "المشرع" .
وفي الفصل السادس "الإمبراطورية في عظمتها _ القرن السادس عشر" يشدد جيل فاينشتاين على أن عهد سليمان القانوني يتطابق مع المرحلة الأكثر روعة بين مراحل التاريخ العثماني ، وأزهى عصور الحضارة العثمانية في مجالات العلوم والفنون والآداب . وفي هذا السياق برزت كنقيض للدولة القومية ، فهي امبراطورية تجمع بين عناصر هجينة ، وتتميز بأراضي جد متباينة ،وشعوب متعددة الأعراق ، وديانات عديدة متجاورة ، وولايات مكونة من بلدان لكل منها تراثها التاريخي المختلف ، لكنها تأتلف معا لتشكل امبراطورية محددة لا يمكن تعريفها إلا بانها تركية .
ولأن وجود السلطنة لا ينفصل عن وجود السلالة الحاكمة ، فقد تأثرت ولا شك بطبيعة وتقلبات النظام الوراثي العثماني ، وتميز التنصيب العلني للعاهل بمراسم معينة تشير جميعها إلى إمساكه الفعلي بزمام السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية ، ويمارس سلطته في جميع المجالات وله حقوق وواجبات القاضي الأعلى للسلطنة . وله الحق في سن تشريع زمني _ قانوني _ يتناول مسائل القانون العام الدستورية والإدارية والمالية والجزائية دون أن يحل محل الشريعة ، بل يجيب على مستجدات لا تعرفها مع عدم انتهاك روحها ، فهو وإن كان يتصف بطابع ديني لكونه "خليفة" ، لكنه لا يملك أية سلطة في مجال الشريعة ، وليس مسموحا له بتأويلها أو تعديل أو متابعة صياغتها لأن هذا الدور قاصر على أهل الفتوى "المفتى" الذين يعينهم ويعزلهم دون أن يستطيع الحلول محلهم .
ويبدو وصف السلطات النظرية للسلطان بالاستبداد مجافيا للحقيقة ، فهو بعيد عن أن يحكم وفقا لهواه ، ولا يستطيع أن يتجاوز المبادئ المقدسة للشريعة ، وعليه أن يراعي أيديولوجية من نوع ما تحدد نموذجا مثاليا للأمير يجب أن يتمشى معه ، وهو محاصر بشبكة من الأعراف والعادات السابقة ، والأوضاع المكتسبة تفرض عليه من جميع المجالات ما لا يستطيع تجاوزه إلا بحرص واعتدال . وبوجه عام فإن سلطته لم تكن غير محدودة ولا تعسفية ، ولم تكن الرعية محرومة من الحماية القانونية ، ولم يكن الاعتماد على العبيد _ قولات _ في الحكومة يتميز بالشمول ، ولا بجميع الآثار التي نسبوها  إليه .
وتشكّل دراسة القصر مقر إقامة السلطان عماد البنيان السياسي والاجتماعي ومقر الحكومة والإدارة المركزية التي توجد حيثما يحل السلطان ، والخدمات الداخلية الخارجية بالقصر والقائمين عليها واختصاصاتهم ، وأعضاء الديوان "الصدر الأعظم والوزراء المعاونين له _ قاضيا عسكر الروميللي والأناضول _ شيخ الإسلام " وغيرهم من موظفي الديوان جهازا بيروقراطيا كاملا يكفل إعداد وتنفيذ القرارات ، والتقدم المحسوس في فصل وتنظيم المهام على عهد سليمان القانوني .
وقد شهدت أدوات السلطة المتمثلة في القوات المركزية "الانكشارية" والقوات الأخرى ، وقوات المقاطعة الموزعة عبر أرجاء السلطنة والمكونة من الفرسان "سباهية" وحاميات المواقع الحصينة ، والقوات المساعدة العسكرية وشبه العسكرية والأسطول ، وكذلك تنظيم المقاطعات تطورا ملحوظا على عهد سليمان .
وكان الاقتصاد العثماني حتى هذا التاريخ اقتصادا قائما بذاته ، ومحتفظا باستقلال مجاله وبالقدرة على تنظيم تبادلاته من زاوية احتياجاته الخاصة ، لكنه اقتصاد موجه من قبل الدولة التي عبرت عن تدخلها عبر أشكال عديدة .
وتثبت دراسة نواحي وجوانب الاقتصاد العثماني المختلفة : "الحياة الزراعية والرعوية _ المناجم والمحاجر _ الحياة الحضرية _ مشروعات الدولة _ التجارة الكبيرة _ التطور النقدي" إن بداية ظهور الاختلال النقدي والأزمة المالية يرجع إلى العقود التالية لموت سليمان وامتدت إلى ما بعد القرن السادس عشر ، وتبرهن في ذات الوقت على أن زمن السلطان العظيم كان عصرا ذهبيا .
.
.

غير متصل المجموعة العربية

  • منتمي
  • *****
  • مشاركة: 2508
رد: تاريخ الدولة العثمانية
« رد #1 في: نوفمبر 21, 2011, 09:46:10 am »
.
.
وفي الفصل السابع وبعنوان "الدولة العثمانية في القرن السابع عشر : اتجاه إلى الاستقرار أم انحدار ؟
يجيب مانتران على التساؤل الذي أثاره بالتأكيد على أن القرن السابع عشر يبدو أقل روعة بكثير من القرن السادس عشر ، فقد تعرضت الدولة لانتكاسات على الصعيد العسكري ، وتضافرت الصعوبات العسكرية مع تمردات جسيمة وبخاصة في الولايات العربية ، وتأرجحت العلاقات الدبلوماسية مع القوى الأوروبية ، ولم تعد للسلطنة العثمانية تلك الرهبة التي كانت عليها من قبل ، وتفاقمت عملية التكلس التي طالت قمة الدولة ، وأجهزة الإدارة والعلوم والفنون وعالم الأفكار والآداب ، وبدأت تظهر بقوة بوادر انحطاط البنيان العثماني .
وبوجه عام ، فقد شكل القرن السابع عشر مرحلة انتقال بين أوج السلطة وانحدارها ، حقيقة أن العثمانيين ظلوا يمثلون قوة لابد أن تؤخذ في الحسبان وأن السلطة كانت بعيدة عن الانهيار ، لكنها لا تتمتع بالزخم والحيوية اللذين أسهما في نجاحاتها ، ولن يكون من شأن مقاومة الضغوط الأوروبية إلا أن يصيبها بالضعف والهزال .
ويواصل مانتران في الفصل الثامن "الدولة العثمانية في القرن الثامن عشر _ الضغط الأوروبي" دراسته للتطورات التي مرت بها الدولة سواء على الصعيد السياسي الخارجي أو فيما يتعلق بالأوضاع في الداخل . فعلى الرغم من مسعى القادة العثمانيين إلى تجنب السلطنة خطر التورط في مغامرات خاسرة جديدة ، والحرص على إبقاء الدولة خارج دائرة حروب أوروبا ، وإيمانهم العميق بضرورة إدخال عدد من الإصلاحات الداخلية ، وإجراء تحولات على أسلوب عمل الدولة ، إلا أن الظروف تجرها إلى شن حرب جديدة ضد بطرس الأكبر "12 _ 1713م" ، والبندقية "1714م" والنمسا .
لكن رد فعل النمساويين الناجح يجبرهم على توقيع صلح باسادوفيتز "21 يوليو 1718" وبمقتضاه حصل الأخيرون على مزايا اقتصادية مماثلة للدول الغربية الأخرى ، وساد السلم بينهما طيلة اثني عشر عاما "18 _ 1730" . وعندما استؤنف الصراع بين الدولة والروس والنمساويين زحف الروس على القرم واستولوا على آزوف "إبريل 1736" ، وشنوا هجمات مشتركة في اتجاه البوسنة وبلغاريا بلا طائل ليوقّع صلح كرس احترام الوضع القائم ، وحقق مصلحة عسكرية ودبلوماسية بوقف الأعمال الحربية مع الروس حتى 1768 ، والنمساويين حتى 1788م .
ومن ناحية أخرى ، دفعت المصاعب الداخلية والخارجية الجسيمة التي واجهتها إيران الصفوية _ العثمانيين إلى الزحف شرقا لتأمين حدودهم مع إيران ، لكنهم اضطروا تحت ضغط الهجوم الروسي النمساوي المشترك إلى التنازل عن الأراضي التي فتحوها في 1727 بموجب صلح جديد عقد في سبتمبر 1736 . ومع ظهور "ناردشاه" ، ولأسباب تتعلق بنجاحات ناردشاه في الهند وأفغانستان ، وتطلعه إلى السيطرة على الشرق الأوسط ، فضلا عن الأسباب المذهبية المعروفة تجدد الصراع وتناوب الطرفان النصر والهزيمة عدة مرات إلى عقد صلح سبتمبر 1749 ، الذي اعتبر امتدادا لمعاهدة قصر شيرين الموقعة في مايو 1639م .
وبسبب انشغال الدولة الغربية في نزاعاتها ، عاشت السلطنة فترة سلم فيما بين 1746 و 1768 ، أفاد منها قادتها في إدخال إصلاحات داخلية ، وتحسين أوضاع الجيش لمواجهة خطر التهديد المتعاظم الذي تمثله روسيا ، لكن الصدر الأعظم حمزة باشا الذي شعر بالقلق إزاء مرامي الروس بشأن القرم استجاب لطلب البولنديين العون في نزاعهم مع الروس ، ووجه إنذارا طالبهم فيه بالانسحاب من بولندا "اكتوبر 1768" ، لتشتعل الحرب بين البلدين على فترات متقطعة 1769 و 1774 م ، وخلالها أحرز الروس عدة انتصارات حيث احتلوا القرم ، وفلاشيا ، ودوبروجا ، وروستوك ، وتغلغلوا في بلغاريا ، ونجحوا في بحر إيجه ، وشرق المتوسط ، وساندوا تمردات الأميرين ظاهر العمر في فلسطين ، وعلي بك الكبير في مصر "71 _ 1772" لينتهي الأمر إلى توقيع معاهدة كوجك كينارجه التي كانت معاهدة غير مواتية للعثمانيين بشكل تجاوز المعاهدات الموقعة من قبل ، وقد أدت إلى نجاح التوسع الروسي بحصولهم على منطقة آزوف وما جاورها ، وجرى الاعتراف لهم باستقلال القرم ، وعززت من مكانة الروس على الساحة الدولية ، في حين نالت من هيبة السلطنة الآخذة في الانحدار ، وأصبحت فريسة مغرية للنمساويين والروس الذين واصلوا الضغوط عليها .
وفيما بين معاهدتي كارلوفيتز "1699" ، وباسادوفيتز "1718" برزت عدة تطورات تجلت في اعتلاء رجل مثقف مثل أحمد الثالث للعرش "03 _ 1730" ، ورغبته في أن يحكم وفق مناخ يسوده السلم ، وتحقيق استمرارية واستقرار حكوميين صارا هما القاعدة . وتميزت فترة صدارة رداماد ابراهيم باشا "18 _ 1730" باهتمام خاص بالعلاقات الدبلوماسية مع الدول الغربية سعيا إلى فهم أسباب تقدمها ، والاطلاع على إنجازاتها التقنية ، وميلاد حالة ذهنية جديدة بين صفوف بعض الأوساط الحاكمة تدفعها إلى الانفتاح على الغرب ، والأخذ عنه والتأثر به ، وتبني أسلوب حياة جديدة يرمز إليه تشييد القصور الفخمة والدور المقامة على ضفاف البسفور ، وإنشاء الحدائق على النسق الأوروبي وتنظيم الأعياد والأفراح ، وظهور أشكال من اللهو المكلف ، وتولد الرغبة في تكوين فكرة أفضل عن العالم الغربي ، وإنشاء مطبعة عربية الحروف 1827 ، وطبع عدة مؤلفات تركية _ فرنسية _ عربية ، ونشر ترجمات لكتب فرنسية وإنجليزية ، دون أن يترتب على أبهة عهد أحمد الثالث تكلفة باهظة لأن النفقات كانت مكفولة وفق طريق مرسوم ، ومن ثم اعتبر (ابراهيم باشا دامادا) إداريا جيدا ،بل وواحدا من أفضل الرجال الذين شغلوا منصب الصدر الأعظم .
لكن إبراهيم باشا ، والسلطان أحمد ذهبا ضحية للحرب الإيرانية التي جرى استئنافها في سنة 1730 ، ونشوب حركة تمرد (باترونا خليل) أحد قيادات الإنكشارية ، فينهي السلطان إبراهيم داماد بالأمر بإعدامه "29 سبتمبر 1730" ، ثم يضطر هو نفسه إلى التنازل مرغما عن العرش لمحمود الأول بن مصطفى الثاني "أول أكتوبر 1730" الذي نجح في إخماد تمرد باترونا أحمد وأمر بإعدامه هو وحلفاؤه "نوفمبر 1730" .
كما تشير الأحداث في الولايات العربية مثل دمشق "1725" ، والجليل الأعلى والأدنى "10 _ 1775" ، وتونس وطرابلس الغرب والجزائر إلى أن السيادة العثمانية إن لم تكن مهددة بالكامل ، فإنها على الأقل مختزلة ، لكن الدولة مع ذلك بقيت حتى منتصف القرن الثامن عشر تشكل كيانا بشريا وسياسيا ودينيا واحدا متجانسا في نظر رعاياها ، لم تنل منه الأراضي التي فقدتها أو تنازلت عنها لأنها تعتبر هامشية ، ولا تكاد تمس السكان المسلمين .
وقد تحرك السلطان محمود الأول "30 _ 1754 " المدفوع بالرغبة في تحسين الأوضاع في اتجاهين ، الأول : إصلاح الجيش وبشكل أخص المدفعية ، والثاني : استعادة السلم ، ومناخ الثقة في الولايات الأناضولية ، في حين جاء عهد أخيه عثمان الثالث "54 _ 1757" باهتا وخاليا من أي تجديد تقني أو فكري ، على العكس من التجديد الذي أجراه الصدر الأعظم (راغب باشا كوجا) في عهد السلطان مصطفى الثالث الذي قوبل تنصيبه بالحماس _ حيث عمل على تحسين مختلف الخدمات ، وحافظ على علاقات طيبة مع الدول الأجنبية ، وظلت الإدارة رغم فسادها منظمة وفعالة نسبيا ، والسيادة العثمانية واقعا ملموسا قادرا على مجابهة التحديات الخارجية ، ومعترفا بها من السلطات المحلية بالولايات العربية برغم ظهور حركات التمرد .
وفي المقابل ، شهد القرن الثامن عشر البداية الحقيقية لهجوم الدول الأوروبية العظمى في المجالات : العسكرية و الدبلوماسية والاقتصادية ، فضلا عن التقنية والثقافية . فقد نجح الفرنسيون _ وبدرجة أقل الإنجليز والهولنديون _ في توسيع تغلغلهم ، وحصلوا على مزايا أكثر وضوحا ، ومارسوا ضغطا من نوع جديد بإيثارهم لأقليات معينة ، وهو ضغط تميز بطابع اجتماعي ، تحول فيما بعد إلى سند سياسي وانتهى الأمر بأن اتخذت المشكلات : ملامح سياسية أكثر منها اقتصادية ، فهزت الولايات الأناضولية ، والبلقانية ، والعربية قلاقل سياسية واجتماعية هددت وحدة السلطنة ، وشكلت مقدمة لحركات سياسية _ وبخاصة في الولايات غير التركية _ أكثر قوة بكثير في القرن التاسع عشر .
ويعرض جيل فاينشتاين لأوضاع "الولايات البلقانية 1606 _ 1774م" في الفصل التاسع ، فقد فرض العثمانيون سيطرتهم على مجمل شبه الجزيرة البلقانية تقريبا منذ منتصف القرن الرابع عشر ، وتجاوزت ممتلكاتهم شبه الجزيرة منذ أواخر القرن السادس عشر حتى خضع لهيمنتهم في أوج عظمتهم جزء كبير من أوروبا الشرقية والوسطى ، تعيش به مجموعة متباينة من الشعوب والجماعات الإثنية المتميزة من حيث الأصل واللغة والثقافة والتاريخ في فسيفساء إثنية وسياسية حقيقية تحت سيادة واحدة .
ومع ذلك ، لم تشكل سيطرة العثمانيين تحولا واستلابا جذريين ولم يصهر العثمانيون التنوع البلقاني في قالب واحد ، ولم يتميز النظام الذي تأسس حتى أواخر القرن السادس عشر بالطابع التدميري والقهري الذي غالبا ما نسب إليه ، بل على العكس من ذلك كان أكثر مواتاة من النظم السابقة عليه أو المجاورة له ، فلم يبد أي اتجاه استيعابي ، أو أية روح تبشيرية تجاه أقاليم مسيحية في غالبيتها ، وذلك في إطار تمسكه بالمفاهيم التي حكمت الدول والسلطنات الإسلامية الكلاسيكية ، مما ساعد على إبقاء الهويات الإثنية عبر القرون .
فقد ضمت شبه الجزيرة عددا من الكاثوليك ، وجاليات يهودية حضرية تضخمت بشكل ملحوظ بعد وصول لاجئين من أصل أندلسي منذ أواخر القرن الخامس عشر ، وبعض العناصر الأرمنية ، عاشوا جميعا جنبا إلى جنب مع أغلبية مسيحية أرثوذكسية خضعت للسيادة الروحية لبطريرك القسطنطينية التي تم الاعتراف بها من قبل الدولة عقب فتح القسطنطينية عام 1453م في إطار من التسامح الديني لم تحظ به من قبل . وعلى الرغم من حدوث حالات تحول قسري إلى الإسلام في ألبانيا والبوسنة والهرسك بوجه خاص ، إلا أن عملية التحول لم تكن بالسرعة ، ولا بالحجم الذي قيل عنه ، وإنما كانت بطيئة وتدريجية وقليلة العدد ، ومن ثم لم يشكل المسلمون غير نحو ( 18 0/0 ) من سكان الروميللي خلال القرن السادس عشر .
والخلاصة : أن السيادة العثمانية لم تكن بالتأكيد هي "الشر المطلق" بفضل الضمانات التي اعترفت لهم بها كذميين ، دون أن تشكل بالنسبة لهم "الخير المطلق" وبخاصة وقت الشدائد ، ويدين هذا الوضع المقبول نسبيا لحالة النظام والتوازن السائدة في أوج السلطنة ، لكن مع اختلال التوازنات الداخلية للدولة الذي بدأ منذ الشطر الثاني للقرن السادس عشر ، وعدم التكيف في مواجهة الخصم عاشت الولايات البلقانية فترة انتقال شكلت جسرا بين العصر الكلاسيكي ، وعصر النزعات القومية ، والضغط الدولي ، والتمزقات والإصلاحات الداخلية ، وبرزت إلى الوجود أشكال جديدة للتنظيم الاجتماعي والسياسي ، وبدأ التراجع الإقليمي لكنه لا يمس غير هوامش السلطنة دون القلب .
وقد شكلت الحروب بنتائجها المتعددة العامل الأول في تطور الولايات البلقانية ، فعبر سلسلة من الحروب مع روسيا ، وبولندا ، والبندقية ، والنمسا ، تعدلت خريطة الممتلكات العثمانية في أوروبا ، وتغير التوزيع الإثني في البلقان تغيرا محسوسا إلى حد التعقيد ، وجرى بذر بذور مصاعب سياسية لم تحل كلها إلى اليوم ، وتمثلت جوانب التغير الديموغرافي في حركات النزوح الجماعي بين أرجاء الممتلكات الأوروبية ، وانخفاض نسبة السكان المسلمين ضمن سكان البلقان ، وتعزيز العنصر المسلم في أوروبا عبر استمرار وتوسع تيار عمليات التحول إلى الإسلام وبخاصة بين البوسنيين والألبان والكرواتيين ، وانحسار عدة جاليات يهودية شهيرة في البلقان ، وحلول اليونان والسلاف والألبان محلهم ، وظهور قدر معين من استعادة الهوية القومية للمدن البلقانية في القرن الثامن عشر .
ومنذ أواخر القرن السادس عشر ، بدأت في الظهور ضياع عقارية شاسعة خاصة هي التشيفتليكات "جفتلك" على أنقاض النظام القديم عبر عمليات اغتصاب غير مشروعة ، أو من خلال منح امتيازات هامة "آربه لق" دون مقابل من خدمة لكبار الوجهاء ومحاسيب البلاط ، أو بالتخلي للولاة الخارجين من الخدمة عن جزء من خاصهم القديم على شكل "جفتلك" ، ومضت الالتزامات الوراثية "أوجاقلك تيمار" شوطا أبعد ، دون أن تشكل التشيفتليكات استثمارات جد واسعة تستخدم العديد من الأيدي العاملة ، أو تشهد علاقات الإنتاج وأنماط تنظيم العمل تغيران جذرية ، لأن توسعها لم يكن كاملا قط في السلطنة حتى عهد الإصلاحات العقارية التي أدخلتها التنظيمات . كما بقيت إلى جوارها الأشكال التقليدية للنظام الزراعي الكلاسيكي وتكفل الوقف بالإبقاء على تمتع ذرية الواقف بريع الأرض وحيازة الأرض ضمن أسرة من الأسر ، دون أن يكون بوسع الدولة استردادها .
ويبدو أن الانتقال إلى قطع الطريق كان في أغلب الأحوال رد فعل جد مميز على التدهور العام الذي عانى منه الرعايا العثمانيون ، حيث شهدت ظاهرة عصابات قطاع الطرق اتساعا بدءا من القرن السابع عشر . ثم لم تلبث هذه العصابات المسماة بـ (الهايدوك أو الكليفت) أن أصبحت قوى فاعلة هامة ونموذجية على المسرح البلقاني . وفي مواجهة هذه العصابات حركت السلطات قوات من الشرطة المجندة المحلية كالأرماتول اليونانيين ، واليوزباشية البوسنيين الذين مارسوا أعمال الابتزازات ، منحدرين بدورهم إلى درك أعمال العصابات بحيث انعدم الفارق أو كاد بين الاثنين في بعض المناطق .
وتضافرت التحولات الضريبية التي تزايدت وتغيرت طبيعتها ، مع ضعف الدولة ، وتدهور المؤسسات القديمة ، وظهور سلطات جديدة على المستوى المحلي لتزيد الموقف تعقيدا ، فإلى جانب الولاة العثمانيين تطلعت قوى أخرى لترسيخ أقدامها ، وتمتعت بإمكانيات مادية مثل : حاميات الإنكشارية _ الجماعات المسلحة من الأرماتول واليوزباشية _ قطاع الطريق _ كبار الأعيان _ الزعماء التقليديون .
وفي مستهل القرن الثامن عشر حصلت التبادلات التجارية على حافز حاسم من جراء عودة السلم مع النمسا ، كما أنتجت معاهدة "التجارة والملاحة" الملحقة بمعاهدة باساروفيتز "1718" ظروفا مواتية للعلاقات التجارية بين رعايا آل هابسبورج ، والرعايا العثمانيين ونشطت تبعا لذلك شبكة من الاتصالات البرية لنقل الصادرات والواردات من وإلى البلقان ، وبما يكفل ازدهار فئة من التجار الأرثوذكس . فضلا عن عدد من المقدونيين ، والصرب ، والبلغار ، والبوسنيين والألبان . ونمت أساطيل تجارية بلقانية ، وتطور الانتاج الحرفي بفضل تقدم الطلب الداخلي وتزايد الصادرات ، وهي تطورات تأكدت في العقود التالية لعام 1774 م .
وعلى المستوى الثقافي ، شكل اليهود بؤرا فكرية ملحوظة , وواصل الأتراك والمتأسلمون من جهتهم صوغ أدب بلقاني ذي تراث إسلامي مكتوب بأحرف عربية ووفق نماذج شرقية لكن مشبع بمفردات عثمانية ، وفيما بين الجماعات الأرثوذكسية ، ظهر إلى جوار ثقافة الخاصة المنفصلة بالكامل عن الشعب والمحافظة والمتأثرة بالموروث الديني القديم في القرون الوسطى ، والواقعة تحت التأثير اليوناني ، شعر شعبي مفعم بالحيوية ومسهب يتألف من أغنيات تمجد الهايدوك أو الكليفت .
وبوجه عام ، فقد أتيح خلال تلك الفترة الكئيبة التي تميزت بالحروب وبدمار النظام القديم ، وبصعود التعصب والتعسف ، أن يحافظ السكان على هوياتهم بل وتأكيدها بشكل أكثر وضوحا عبر تطور الاستقلالات المحلية .
وبعنوان "الولايات العربية : القرن السادس عشر _ القرن الثامن عشر " يمهد أندريه ريمون لموضوعه بالحديث عن مد العثمانيين لسيطرتهم على مجمل العالم العربي خلال بضع سنوات من هزيمة المماليك في مرج دابق 24 أغسطس 1516م ، وكيف كانت الولايات العربية تمثل (خمس المساحة الإجمالية) من أراضي السلطنة عند مستهل القرن السابع عشر ، وأن المجال العربي الشاسع والمأهول بالسكان بشكل كثيف تميز بثقل نسبي في مجمل السلطنة ، وكان محكوما عبر نظام إدارة موحد ومتماسك اكتسب رسوخا أكيدا بمرور الوقت .
وتثبت دراسة الأوامر السلطانية أن السلطة المركزية كانت تتدخل في شؤون جد عديدة ومتباينة : عسكرية وإدارية ، تتطرق إلى مجالات التعليم والأوقاف والمؤسسات الدينية والصحة والنشاط الحرفي ومشكلات الحياة الحضرية . كما استندت إدارة الولايات العربية إلى مرتكزات أساسية هي : الولاة "الباشاوات" _ القضاة _ فرقة الانكشارية .
فضلا عن الإدارة المالية التي يتوجب عليها توفير الإمكانات الضرورية لسير عمل الولاية ، وتأمين فائض موجه إلى الحكومة المركزية وإن حرص العثمانيون على التوافق مع تقاليد الإدارة الحكومية والجماعات السياسية القديمة ، بدلا من فرض نظامهم الإداري بصورة كلية حتى لو اضطرهم ذلك إلى الإبقاء على الممارسات المألوفة طالما كانت تبدو معقولة ، ولم يكن هناك مبرر لإبطالها .
أما فيما يتعلق بشؤون الضرائب ، فقد عرفت غالبية الولايات العربية الأشكال المختلفة للإدارة الضريبية ، لكن (نظام الالتزام) أصبح هو الأعم استخداما منذ أواخر القرن السابع عشر ، كما سمح استقلال الولايات بتوفير إمكانات إدارتها والدفاع عنها وكفالة إعاشتها واستخلاص فائض موجه إلى الحكومة المركزية ، وهو فائض أخذ يتضاءل تدريجيا بحيث لم يعد يمثل غير مبلغ مختزل نسبيا .
وبوجه عام ، كانت السلطنة تمثل في نظر رعاياها قوة الاسلام الفاتحة فلما حلت بها الهزائم ، وحان وقت التراجع ، وجدوا فيها الملاذ الأخير ضد الأخطار الخارجية التي باتت تهددهم بشكل متزايد
وقد أدى الفتح العثماني إلى دمج البلدان العربية في كل موحد جد شاسع يقع بين المغرب الأقصى وإيران وبراري روسيا الجنوبية والحبشة ، وصنع سوقا داخلية واسعة جرى فيها تبادل منتجات وسلع متنوعة في أقاليم مختلفة ونشطت الاتصالات ، ونمت المدن العربية الكبرى الواقعة على النقاط المحورية للتجارة الدولية الكبيرة "الموصل _ حلب _ القاهرة _ تونس " كما لعب الحج دورا جوهريا كقوة من قوى التلاحم الداخلي ، وعامل من عوامل التقارب بين أقاليم العالم العربي المختلفة .
لكن الولايات العربية ، مرت بتطورات قادتها إلى أوضاع جد متباينة خلال القرن الثامن عشر . فقد برزت في حلب قوى محلية عبرت عن نفسها بقوة من خلال تمردها على وال قديم ، أو رفضها لتنصيب وال جديد في أكثر من مناسبة ، وفي فلسطين ودمشق والموصل وبغداد وجبل لبنان ترسخت أقدام متزعمين وأشباه سلالات حاكمة تحت أشكال متباينة دون أن تتعرض سلطة الحكومة المركزية هناك للمنازعة . وفي مصر تنامت قوة المماليك ، لكن حركة علي بك الكبير الرامية إلى الاستقلال عن الدولة منيت بالفشل "68 _  1773" . أما ولايات المغرب " الجزائر _ تونس _ طرابلس الغرب " فاختزلت فيها السيادة العثمانية إلى سيادة لم تترتب عليها آثار بالنسبة للحائزين المحليين على السلطة .
على أن الوجود العثماني كان له أثره العميق في الولايات العربية ، فقد بقيت ثلاثة قرون وأحيانا أربعة داخل السلطنة لن تخرج منها إلا لكي تنتقل تحت السيطرة الغربية . كما ساهمت الوحدة النسبية للنظام في تقارب مناطق كان تطورها الداخلي متباينا ، وزود العثمانيون الولايات بمؤسسات إدارية متشابهة ضمن بنية عامة مشتركة تميزت بطابع حداثة معين برغم ثغراتها وعيوبها . وتسنى للعالم العربي _ باستثناء المغرب الأقصى _ أن يعيش موحدا في ظل كيان سياسي واحد .
ومن خلال العرض السابق يتبين الآتي :
1 _ إن الكتاب ينتمي إلى فئة المؤلفات المتوسطة الحجم ، بل ويعتبر صغير الحجم إذا ما قورن بالمؤلفات التاريخية التقليدية التي تتناول عامة نشأة وتطور الدول والإمبراطوريات الكبرى مثل كتاب هام رفون بورغشتال ، ومع ذلك يقدم صورة مهمة وغنية بالتفاصيل ليس فقط عن نشأة وتطور الدولة والمجتمع العثماني حتى الربع الأخير من القرن الثامن عشر ، بل وأيضا عما أسماه المؤلفون بالعالم العثماني سواء بالمركز أو بالأطراف .
2 _ نجا الكتاب من الوقوع في فخ المقولات التقليدية القديمة عن ظلم وفساد الدولة والنظام العثماني ، وصحح كثيرا من المفاهيم وأعاد الاعتبار لنظم الدولة والإدارة العثمانية مثل :
(أ‌)              إن المجتمع العثماني ليس إقطاعيا ، ولم تربطه بالغرب ولا بالنظام الإقطاعي الغربي أي وجوه تشابه . وإن الحضارة العثمانية نجحت في فرض نفسها ، وفي تشكيل بعض جوانب الحياة في البلقان نتيجة لسياسة التسامح الديني التي انتهجتها ، وكان الأتراك أول من أرسى البنيان لحضارة مدنية حديثة في الأناضول والبلقان "ص 184 _ 185 ، 192 _ 202 " .
(ب‌)        نقد وتفنيد المزاعم السابقة عن إخضاع الاقتصاد للسيطرة الرأسمالية الغربية ، والتأكيد على أن الاقتصاد العثماني ظل محتفظا بقوته واستقلاله وبخصائصه التقليدية مدعوما من أجهزة الدولة وتحت سيطرتها طيلة القرنين السادس والسابع عشر ، وأن ضعف وتهميش الاقتصاد يرجع إلى الشطر الأول من القرن التاسع عشر بالنسبة لبقية أجزاء السلطنة "316 _ 318" .
(ت‌)        التأكيد على أن النظام العثماني كان في مجمله أكثر مواتاة للشعب الفقير بالبلقان من النظم السابقة عليه أو المجاورة له في أوروبا ، ولم يبد أي اتجاه استيعابي أو أية روح تبشيرية تجاه أقاليم مسيحية في غالبيتها العظمى " 440 _ 451" .
(ث‌)        إن الفلاح العثماني لك يكن مرتبطا بالأرض ، وكان بإمكانه ترك قريته الأصلية ، والنزوح للإقامة في مكان آخر "ص 185" ، وبرغم تدهور حالة الرعايا العثمانيين ، وبخاصة خلال القرن الثامن عشر ، إلا أنه لم يكن قنا ، ولم تنحدر وضعية رعايا الدولة لا قانونيا ولا فعليا إلى مرتبة القنانة قط "ص500"  .

وفي المقابل ، يبدو الفصل العاشر والخاص بتاريخ الولايات العربية أطول فصول الدراسة "119 صفحة " ، وأضعفها معا ، وهذا أمر طبيعي بسبب الحالة السيئة التي عليها دراسة أوضاع وكتابة تاريخ الولايات العربية زمن الحكم العثماني برغم التقدم النسبي ، وظهور عدد من الدراسات الجادة في السنوات الأخيرة ، مما أعجز ريمون عن وضع تصور عام يتصف بالدقة والشمول عن تطور أوضاع الولايات العربية ، وألجأه إلى طرح افتراضات لمعالجة الفجوة الواسعة التي تشكو منها معلوماتنا على حد تعبيره .

انتهى ...

..