تاريخ الدولة العثمانية
(روبير مانتران)
مراجعة محسن شومان
"تاريخ الدولة العثمانية" الذي حرّره روبير مانتران ، صدرت طبعته الأولى بالفرنسية في باريس سنة 1989م ، ونشر مترجما إلى العربية في جزئين عام 1993م ، ويشتمل الجزء الأول الذي نعرض له هنا ، على مقدمة للمترجم ، وتمهيد ، وعشرة فصول ، ومذيلا بببلوجرافيا عامة وشاملة لأهم المراجع التي اعتمد عليها المساهمون في تحرير الكتاب ، وفهرس بالمحتويات ، وقد أتت جميعا في 660 صفحة من القطع المتوسط .
صدّر المترجم الكتاب بكلمة افتتاحية استعرض فيها دوافعه وأسبابه الخاصة التي حفزته ودعته إلى ترجمة هذا الكتاب الهام متمثلة في رغبته ترجمة عمل رئيسي عن تاريخ الدولة العثمانية بقصد تعميق درايتنا به لا سيما أن الكتاب يبدد بالفعل الكثير من الأساطير التي تحيط بالتاريخ العثماني .
أما مانتران ، فيقدم لموضوع الكتاب بتمهيد يعرض فيه لتطور حركة كتابة التاريخ العثماني منذ أن صدرت الترجمة الفرنسية لكتاب المؤلف الألماني جوزيف فون هامر بورجشتال بعنوان "تاريخ الإمبراطورية العثمانية " في 18 جزءا بباريس بين عام 35 و1843م ، وحتى ظهور آخر ما أمكن تحريره من تاريخ الدولة وهو كتاب ستانفورد شو بعنوان "تاريخ الإمبراطورية العثمانية وتركيا الحديثة" في جزئين سنة 1976م .
ثم يعزو الأسباب التي دعته هو وزملاؤه إلى وضع هذا المصنف إلى رغبتهم المشتركة في تقديم عمل يستند إلى المعطيات الجديدة والمتمثلة في وفرة المعلومات التي تقدمها بحوث ودراسات أنجزها مؤرخون أتراك وغربيون معتمدين على دور الأرشيف العثماني ، ومصادر تركية وفارسية وعربية كانت تلقى إهمالا جسيما من قبل ، والسعي نحو تجديد الاهتمام ، وتحليل عدد من القضايا والمشكلات والمسائل المتعلقة بالجوانب المختلفة للتاريخ العثماني ، مستفيدا في ذلك من الحالة الجيدة التي أصبح عليها علم الشؤون التركية _ الفرنسي.
كان التصور الغربي عن الدولة العثمانية سلبيا في مجمله ، ولذلك تبدو الحاجة ملحة _ من وجهة نظر مانتران _ وبحكم المعلومات المتوفرة إلى التحرر من أسر المفاهيم القديمة المتحيزة ، والاضطلاع بعمل تاريخي متحرر من أي مؤثرات سياسية ، ومتجرد من أي ميل أو نزوع أو هوى . لقد انتهت الدولة العثمانية إلى زوال غير أنها أخذت مكانها في التاريخ كقوة أولى عاشت على مدار قرون ، وهذا ما يفسر لنا أشكال الغيرة والحقد وحركات الانتقام وزعزعة الاستقرار ، ثم التدمير التي كانت هدفا لها ، ولن يكون بالإمكان رسم صورة لتاريخ أوروبا ، ولتاريخ بلدان حوض البحر المتوسط بدون التعرف الموضوعي على العثمانيين .
وتعالج إيرين بيلديسينو في فصل بعنوان"البدايات : عثمان وأورخان" النشأة الأولى للدولة ، فتعرض لرواية كاتب الأخبار التركي (عاشق زاده) في القرن التاسع الهجري/15م ، والتي كررها بشيء من التفصيل كتّاب أخبار لاحقون ، عن منح السلطان السلجوقي في قونية لأرطغرل والد عثمان بلدة "سيوط" كأرض خاصة له ولذريته . وكيف شرع في بناء دولته ، وتطور العلاقات بينه وبين الحكام البيزنطيين والقوى المحلية المجاورة بين عامي (83 و 1299م) ، والنجاحات التي أحرزها ، وتوجت بانتصاره في بافيوس على القائد البيزنطي موزالون سنة 1302م قرب نيقوميديا ، وضغطه المتواصل على عدة مدن بيزنطية ، وخضوع سلسلة كاملة من البلاد له بالقوة أو بالاستسلام ، ووفاة عثمان وقواته تقف على أعتاب بورصة بين عامي (24 و 1326م) .
وخلال عهد أورخان "ت 1362م" تبلورت الملامح الأولى لتنظيم السلطة ، فلم يكن حاكم الإمارة وحده هو القابض على زمام السلطة ، وإنما العائلة كلها .
وبدءا من الشطر الثاني من القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي ظهرت الإمارة العثمانية كتكوين سياسي سرعان ما أفلت من كل وصاية ، وجرى تدعيم سلطتهم السياسية بغطاء عقيدي "أيديولوجي" لتبرير هيمنة آل عثمان ، وإن تبدلت الدوافع عبر عدة سنوات لتصبح فكرة الغازي أو المجاهد في سبيل الله هي الأساس في آخر الأمر ، وجرى تصوير عثمان وأورخان كمجاهدين هدفهما نشر الدين الإسلامي والقضاء على الكفار العصاة .
ولم يكن العثمانيون الأوائل (بدوا بالمعنى الدقيق للمصطلح) ، فهم يحيون في قبائل ويمارسون مع أغنامهم الهجرات الفصلية ، لكنهم مع ذلك لم يعتزلوا الحضر ، أو ينأوا بأنفسهم عن حياة المدينة ، فقد أقاموا سلسلة من المباني في المدن حديثة الفتح ، وساهم أفراد السلالة الحاكمة والوجهاء في تزويد المدن بالمنشآت العامة ، ولعب الفقهاء والعلماء الكبار من أبناء المدن الأناضولية ذات التراث الإسلامي العريق دورا هاما في نشر الدين والثقافة الإسلامية عبر المراكز الحضرية إلى التخوم الحدودية ، وساهمت جماعات الإخوان (آخي) ، في توطين المسلمين بالمدن المفتوحة حديثا ، وإلى جوار السكان المدنيين المسلمين عاش تركمان شيعة إثني عشرية وجماعات دراويش ، فضلا عن يونانيين لم تنقطع صلاتهم مع مواطنيهم المقيمين بالقسطنطينية برغم محنة الغزو التركي .
وهكذا خلال قرن وحشي ، وبيئة قلقة مفعمة بالتوتر ، وإحساس عميق بانعدام الأمن لدى اليونانيين من جراء المخاطر التي قد يتعرضون لها مثل الموت في حرب أو في وباء ، أو البيع كعبيد على إثر غارة مدمرة مفاجئة ولدت الإمارة العثمانية ، بعد أن تمكن عثمان وأورخان الموضوعين على هامش العالم الإسلامي ، في وجه عالم مسيحي منقسم على ذاته ، من ربط الحظ والذكاء بالقدرات العسكرية لكي يرتفعا معا على مسرح التاريخ .
وبعنوان "صعود العثمانيين" يعالج نيقولا فاتان في الفصلين الثاني والثالث فترة تصل إلى قرن ونصف قرن من الزمان بين 1362و 1512م فيعرض للتطورات السياسية الداخلية ، والانتصارات العسكرية على خد سواء . إذ واصل مراد الأول "62 _ 1389م" بوصفه الخليفة الطبيعي لأبيه مسيرة أسلافه في الغزو والفتح ، فاستولى على "أدرنة أندوبينول" _ 1366 ، ثم على سيرس "1383" ، وسقطت صوفيا "1385" ، ونيش ولاريسا "1386" وسالونيك "1387" ، واعترف سادة تساليا بهيمنة العثمانيين ، ودخلت المودة في تبعيتهم ، وتم إخضاع علاء الدين أمير قرمان في الأناضول بقوة السلاح ، وإخماد تمرد قيصر بلغاريا وإجباره على دفع الجزية 1388 ، وهزيمة جيوش الصرب والبوسنة المتحالفة في معركة سهل كوسوفو "1389" التي اغتيل فيها السلطان ، وجرت عملية نقل السلطة إلى ابنه بايزيد الأول في هدوء ، ليرث العاهل الجديد دولة راسخة الأركان في البلقان ، وإمبراطورية لها شأنها بأوروبا .
ولم يقتصر عهد مراد على الانتصارات العسكرية وحسب ، وإنما أرسيت وطبقت أيضا قواعد الاحتلال العثماني لتوطيد الهيمنة على البلاد المفتوحة وجرت عمليات نقل السكان من الأناضول إلى الروميللي _ تراقية ومقدونيا _ لتدعيم الجهاد ، فضلا عن انتقالات عفوية أتت من إمارات أناضولية أخرى ، وأنشئت فرقة الانكشارية "يني جري" _ ومعناها العسكري الجديد _ ورسخت الإدارة العثمانية أقدامها في الروميللي وتم بناء إدارة مركزية قوية لدولة حقيقية وليست مجرد إمارة عادية .
وما أن أتيح لبايزيد الأول "1389 _ 1402م" الإمساك بناصية السلطة حتى سارع إلى إعادة فتح الإمارات الأناضولية التي أعلنت التمرد "89 _ 1390م" ثم قام بالاستيلاء على فيلادلفيا "آلاشهر" آخر الممتلكات البيزنطية في الأناضول أواخر 1390م ، لكن السلطة العثمانية في آسيا الصغرى لا تتوطد ولا يتحقق الفتح الحاسم للأناضول إلا في عام 1398م . كما شدد بايزيد من ضغطه على الامبراطور مانويل حتى أجبره على أن يظل تابعا يؤدي له الخدمة العسكرية ويدفع الجزية في 1391م ، ثم فرض حصارا على القسطنطينية استمر حتى نهاية عهده ، واستولت قواته على سكوبيا الصربية وتساليا "1391" ، وأعادت فتح سالونيك "1394" ، وأغارت على ألبانيا والمورة عدة مرات ، وسيطرت على دوبرجا ، واحتلت الحاميات العثمانية نقاط العبور عبر الدانوب "1395م" ، وأنزل الجيش العثماني بالتحالف الصليبي المعادي هزيمة نكراء في نيقوبوليس "1396م" أدت إلى استكمال احتلال بلغاريا ، وحصنت من مواقعهم في البلقان ، وزادت من هيبتهم .
وعلى الرغم من التهديد الذي مثله ظهور تيمورلنك في شمال شرق الأناضول بين عامي 1399و1400م ، فإن بايزيد كان في أوج قوته ، والدولة كانت آخذة في تنظيم نفسها ، فالانكشارية التي أنشئت في عهد مراد الأول شهدت إصلاحا ، وقطعت سياسة توطين السكان في الأراضي المفتوحة خطوات هامة ، وثبت البكوات أقدامهم على نهر الدانوب والبحر الأدرياتي ، وتعززت الإدارة المالية والقضائية ، وأنشئت سنجقيات جديدة ، لكن الروميللي كان لا يزال ذا أغلبية مسيحية ، والمنشآت الإسلامية به قليلة ، والوضع في الأناضول أقل مدعاة للاطمئنان ، والجيش المؤلف من عناصر مختلطة لا يدعو للثقة حتى أنه بدا عاجزا عن صد الهجوم التيموري ، بل لم تلبث فعالياته أن تهاوت سريعا عند أول صدام في سهل تشيبوكووا قرب أنقرة ، ووقع بايزيد في الأسر ، وانتهى عهده بكارثة لا سابقة لها .
وفيما بين 1402و1413م عاشت الدولة سنوات صعبة كادت أن تؤدي إلى تمزقها بسبب الصراع بين أبناء بايزيد الأربعة "سليمان _ محمد _ عيسى _ موسى" لتنتهي فترة القلاقل والاضطرابات باعتلاء أقدرهم لسدة الحكم وهو محمد الأول المعروف بمحمد الحلبي "13 _ 1421م" مما جعل التراث التركي يعتبره خليفة بايزيد الأول ، لكن الرجل وبسبب التمردات الشعبية التي واجهها وصراعه مع الأمراء الأناضوليين حاول أن يتجنب بقدر الإمكان التورط في أي نزاعات خارجية .
وقد اجتاز مراد الثاني "21 _1451م" الابن الأكبر لمحمد حلبي وولي عهده _ بنجاح كافة المصاعب الداخلية التي واجهته ، وبات الطريق أمامه ممهدا لتعزيز دولته ، فقاد بنفسه حملة ضد ترانسلفانيا والمجر "1438م" ، وهاجم صربيا واستولى عليها "39 _ 1440" ، وأجبر ملك البوسنة على دفع الجزية "1439" وحاصر بلغراد لكن القائد جان هونيادي فويقود ترانسلفانيا نجح في صد الهجمات التركية وأجبرهم على التراجع . وعندئذ تجدد الأمل في شن حرب صليبية لطرد الأتراك من أوروبا . ونظم المجريون والبابوية وأمير صربيا ما يسمى بالحملة الطويلة "43 _ 1444م" . لكنها لم تسفر عن شيء ، وعقد الطرفان إتفاق 1444م الذي نقضه الصليبيون ، وجرت وقائع معركة فارنا الشهيرة التي انتهت بهزيمة ساحقة للصليبيين لتصبح السلطة العثمانية في البلقان راسخة الأركان .
وبعد فارنا استولى مراد على المورة 1447م ، وهاجم ألبانيا ، ثم اضطر إلى الارتداد إلى صوفيا سريعا ليواجه هونيادي في سهل كوسوفو في موقعه عادت بالكوارث على المجريين ، وشنت قواته حملات على فلاشيا "1448" ، وألبانيا "1450" ، لتستعيد السلطنة كامل قوتها قبل 1402م ، وبوجه عام فقد انتهج مراد سياسة متعقلة ، ففي عهده تزايدت قوة الانكشارية ، وحققت البحرية تطورا ملموسا ، وتدعمت صلات أمراء الحدود بالسلطة المركزية ، وسعى دائما إلى تدعيم السلطة والاحتفاظ بتخوم وطيدة الأركان أكثر من توسيع ممتلكاته توسيعا ملحوظا .
وتمثل الإنجاز الحقيقي لمحمد الثاني "51 _ 1481" في فتح القسطنطينية "1453" _ الحلم القديم الذي طالما راود الفاتحين المسلمين _ والقضاء على ما تبقى من الدولة البيزنطية وإزالتها من التاريخ ، وضم صربيا "1459" ، والمورة "1460" وميناءي سينوب وطرابيزون "1461" ليصبح سيدا على الساحل الأناضولي للبحر الأسود ، وانتزاع نيجريونت "أوبييه" من البنادقة "1470" وهو حدث هام اعتبر بمثابة نقطة تحول فاصلة في الصراع بين البنادقة والعثمانيين ، وفي تاريخ شرقي البحر المتوسط .
وعلى الرغم من المنحى السلمي لتوجهات بايزيد الثاني "1481 _ 1512م" ، فإن السياسة العثمانية سوف تكون عدوانية عندما تتاح الظروف ، فقد تم ضم الهرسك بصفة نهائية عام 1483 ، وميناءي كيليا وآكيرمان "ستاتيا آلبا" المطلين على البحر الأسود عام 1484م ليصبح البحر الأسود عثمانيا ، وخاض _ بايزيد صراعا على فترات متقطعة مع الدولة المملوكية "85 _ 1491م" ، والبندقية "99 _ 1503م" ، لكن الخسارة التي مني بها أمام المماليك ، وتخليه عن قليقيا ومدينتيهما "قادس و أدنة" ، وتفكك الأناضول العثماني أمام تمردات أصحاب الرؤوس الحمراء "قزل باش" الشيعة أتباع إسماعيل الصفوي شاه فارس ، والعجز الواضح للسلطان وحاشيته أدى إلى تنافس أولاده على العرش في حياته ليتمكن أقدرهم من إجبار أبيه على التنازل عن العرش والحلول محله منهيا بذلك أزمة هي الأخطر منذ كارثة أنقرة ولذلك اعتبر عام 1512م نقطة تحول في التاريخ العثماني .
وفي الفصل الرابع تعالج نيكورا بيلديسينو "تنظيم الإمبراطورية العثمانية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر" ، فتعرض أولا للأساس الحقوقي للدولة الذي استند إلى دعامتين : القانون الإسلامي "الشريعة" ، والأعراف الحقوقية لسكان البلاد المفتوحة ، ولذلك فإن العاهل العثماني لم يكن بالأمير المطلق الصلاحيات ، وقوته بعيدة عن أن تكون حرة من كل قيد .
ثم يتناول بنية السلطة المركزية ، حيث يأتي القصر السلطاني على قمة هرم السلطة ويدير العاهل ولاياته بمساعدة الصدر الأعظم ، ويعاون الصدر ثلاثة وزراء وديوان يترأس أعضاؤه مختلف الإدارات التي تكفل من خلال موظفيها حسن سير عمل الباب ، وتنقسم الدولة إلى مقاطعات "سناجق" بكل منها وال ٍ"سنجق بك" له اختصاصات عسكرية وإدارية ويساعد ديوان ، يليه في المرتبة "صوباشي" وهو ضابط أمن بصفة أساسية وتتباين أعدادهم بحسب التقسيمات الفرعية للسنجق .
وعلى الرغم من أن الأحوال المالية كانت أقل ازدهارا ، فإن على الدولة بحكم سياستها العسكرية واتساعها ومصالحها أن تنهض بأعباء نفقات جسيمة ، ولذلك كانت تجري إحصاءات دورية يشرف عليها الباش دفتردار ضمانا لحسن التصرف ، كما أتيح للسلطان أن يتدخل في الشؤون المالية والقانونية وبخاصة فيما يتعلق بالضرائب والإيرادات المأخوذة من القوات الإقطاعية "أصحاب التيمارات" ، ويؤدي المحتسب دورا هاما في الإشراف على الأنشطة الاقتصادية
ومثل أي مجتمع منظم استند الباب العالي إلى قاعدتين : الحضر والريف ، لكن الدولة كانت ذات طابع حضري ضعيف خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر فقد استمد غالبية سكان المدن عيشهم من استغلال الريف المجاور الذي شكلت منتجاته المصدر الرئيسي للإيرادات ، وأنشئت صناعات صغيرة في المدن ومثلت مناجم الفضة والذهب والرصاص والنحاس في صربيا ومقدونيا الشرقية وورش سك النقود بالروميللي والأناضول قطاعا اقتصاديا هاما آخر ، وظهرت إلى جوار أصحاب الدكاكين والصناعات والورش الصغيرة والمشروعات الحرفية دور صناعة أكبر حجما تملكها الدولة وتستخدم أيدي عاملة أكثر عددا .
وفي المدن الأقل أهمية احتلت أعمال النسيج وبيع المنسوجات مكانة متميزة وظهرت مئات المحال والدكاكين وأعداد كبيرة من الحرفيين مسلمين ومسيحيين على السواء وازدهرت الأسواق .
ويعيش جزء ملحوظ من سكان الحضر على ريع الأرض ، وتبدو بنية القطاع الريفي بالغة التعقيد ، فالفلاح لا يتمتع إلا بانتفاع محدود الهكتارات يستحيل نقله إلا لابن ذكر ، وعليه أن يؤدي للتيماري رسم لقاء دخوله في الانتفاع ويسلم له عشر المحصول فضلا عن سلسلة أخرى من الضرائب . أما التيماريون "حائزو التيمارات" ، فهم فرسان يمنحهم الباب حق الانتفاع بقطعة من الأرض "تيمار" ، ويتمتعون بحق تحصيل عوائده الضريبية من فلاحيها ، وحق استغلال نوع آخر من الممتلكات نظير تجهيز قوة من الفرسان . ويؤلف عمال المناجم فئة اجتماعية مهنية خاصة في شبه جزيرة البلقان منح المستغلون منهم حقوق حيازة وانتفاع واسعة وتمتع العمال باستثناءات كبيرة لم تتح لغيرهم .
وعلى ذلك فـ (المجتمع العثماني ليس إقطاعيا) ، فالفلاح العثماني ليس قنا مرتبطا بالأرض مثل الفلاح الغربي ، ويمكنه في ظروف معينة أن يهجر قريته الأصلية والنزوح للإقامة في مكان آخر ، والتيمار ليس ملكا للتيماري وإنما هو مجرد منتفع يحوز حق التصرف في التيمار بشكل مؤقت ، ولا يجمع بينه وبين الإقطاعية وكثرة فروض النظام الإقطاعي الغربي شيء .
وكان الجيش العثماني بتشكيله ووحداته البرية والبحرية أداة حرب أرقى من أدوات جيوش الخصوم ، وبذلك قطع شوطا بعيدا في هجر أساليب الحروب البالية العتيقة . ويسكن بالسلطنة جماعات ذات أصول متباينة "بلغار _ صرب _ ألبان _ فالاش _ يونان _ أرمن" وديانات مختلفة "مسلمون _ مسيحيون _ يهود" ، وإن تباينت أعدادهم وتوزيعاتهم في هذه المناطق كل على حدة . وبذلك كانت السلطنة (دولة متعددة القوميات) ، ينتمي رعاياها إلى عدة ديانات لكنها إسلامية سلطانا وقادة وقانونا .
ولم يسع الباب إلى تحويل رعاياه المسيحيين واليهود إلى اعتناق الإسلام ، ولم ينتهج سياسة شاملة تتجه نحو التتريك أو الأسلمة الإجبارية ، وبسبب سياسة التسامح الديني هذه نجحت الحضارة العثمانية في فرض نفسها ، وفي تشكيل بعض جوانب الحياة في البلقان بحيث يمكن القول بأن الأتراك هم الذين أرسلوا اللبنات الأولى لحضارة مدنية حديثة . فقد وضعت سيطرة العثمانيين حدا للفوضى التي كانت سائدة في الأناضول والبلقان ، ووفرت عامل الاستقرار السياسي وأمنت النشاط الاقتصادي ، واجتماعيا حملت معها معاول هدم القنانة لغالبية الفلاحين , وجددوا في المجال العسكري بإنشاء جيش متحرر من كل ارتباط قبلي ، ومرتبطا إرتباطا كليا بشخص العاهل ، وأدخلوا نمط حياة جديدة في البلدان الملحقة ، وأنشأوا هياكل حضرية مغايرة لتلك الشائعة في الغرب ، وقدموا استشرافا للدولة الحديثة حين جعلوا العاهل مقيدا في ممارسة سلطاته بالشريعة والقانون العرفي للشعوب الخاضعة .
وفي الفصل الخامس "أوج الإمبراطورية العثمانية : الأحداث 1512 _ 1606 م" يعرض جان لوي باكي جرامون لفترة حكم سليم الأول "12 _ 1520 " التي انتهت بجعل السلطنة العثمانية القوة الأولى في العالم الإسلامي ، وعهد سليمان القانوني "20 _ 1566" الذي خاض ثلاث عشرة حملة ضد الخصوم والأعداء ، وأرسى دعائم دولة وطيدة البنيان على القواعد التي خلفه سلفه . ثم أخيرا وفي عجالة لحكم سليم الثاني "66 _ 1574" الذي ترك ذكرى كعاهل غير كفء في التاريخ العثماني ، وعهدي مراد الثالث "74 _ 1595" ، ومحمد لثالث "1595 _ 1603" الباهتين حيث برزت في هذه الآونة شخصية الوزير الأعظم (محمد باشا صوقللو) الذي استطاع أن يحد من الآثار السلبية المترتبة على مبادرات سليم الثاني ومحاسبيه ونجح في الإبقاء على عظمة السلطنة حتى وفاته "ت . 1579" .
ويشير اختفاء صوقللو لبداية ظهور الإمارات الأولى للانحطاط والتدهور العام ، وبذلك ترمز عهود سليم الأول ، وسليمان الأول ، وسليم الثاني إلى أوج التوسع العثماني في أوروبا البلقانية والوسطى والبحر المتوسط والشرق الأدنى . وإلى تنظيم داخلي ، وإذا جرى توطيدها تدريجيا ، وأعطت للدولة هياكل راسخة البنيان صنعت عظمة السلطنة ، ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن يلقب الأتراك سليمان الأول _ المعروف عند الغربيين بالأكبر _ بالقانوني "المشرع" .
وفي الفصل السادس "الإمبراطورية في عظمتها _ القرن السادس عشر" يشدد جيل فاينشتاين على أن عهد سليمان القانوني يتطابق مع المرحلة الأكثر روعة بين مراحل التاريخ العثماني ، وأزهى عصور الحضارة العثمانية في مجالات العلوم والفنون والآداب . وفي هذا السياق برزت كنقيض للدولة القومية ، فهي امبراطورية تجمع بين عناصر هجينة ، وتتميز بأراضي جد متباينة ،وشعوب متعددة الأعراق ، وديانات عديدة متجاورة ، وولايات مكونة من بلدان لكل منها تراثها التاريخي المختلف ، لكنها تأتلف معا لتشكل امبراطورية محددة لا يمكن تعريفها إلا بانها تركية .
ولأن وجود السلطنة لا ينفصل عن وجود السلالة الحاكمة ، فقد تأثرت ولا شك بطبيعة وتقلبات النظام الوراثي العثماني ، وتميز التنصيب العلني للعاهل بمراسم معينة تشير جميعها إلى إمساكه الفعلي بزمام السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية ، ويمارس سلطته في جميع المجالات وله حقوق وواجبات القاضي الأعلى للسلطنة . وله الحق في سن تشريع زمني _ قانوني _ يتناول مسائل القانون العام الدستورية والإدارية والمالية والجزائية دون أن يحل محل الشريعة ، بل يجيب على مستجدات لا تعرفها مع عدم انتهاك روحها ، فهو وإن كان يتصف بطابع ديني لكونه "خليفة" ، لكنه لا يملك أية سلطة في مجال الشريعة ، وليس مسموحا له بتأويلها أو تعديل أو متابعة صياغتها لأن هذا الدور قاصر على أهل الفتوى "المفتى" الذين يعينهم ويعزلهم دون أن يستطيع الحلول محلهم .
ويبدو وصف السلطات النظرية للسلطان بالاستبداد مجافيا للحقيقة ، فهو بعيد عن أن يحكم وفقا لهواه ، ولا يستطيع أن يتجاوز المبادئ المقدسة للشريعة ، وعليه أن يراعي أيديولوجية من نوع ما تحدد نموذجا مثاليا للأمير يجب أن يتمشى معه ، وهو محاصر بشبكة من الأعراف والعادات السابقة ، والأوضاع المكتسبة تفرض عليه من جميع المجالات ما لا يستطيع تجاوزه إلا بحرص واعتدال . وبوجه عام فإن سلطته لم تكن غير محدودة ولا تعسفية ، ولم تكن الرعية محرومة من الحماية القانونية ، ولم يكن الاعتماد على العبيد _ قولات _ في الحكومة يتميز بالشمول ، ولا بجميع الآثار التي نسبوها إليه .
وتشكّل دراسة القصر مقر إقامة السلطان عماد البنيان السياسي والاجتماعي ومقر الحكومة والإدارة المركزية التي توجد حيثما يحل السلطان ، والخدمات الداخلية الخارجية بالقصر والقائمين عليها واختصاصاتهم ، وأعضاء الديوان "الصدر الأعظم والوزراء المعاونين له _ قاضيا عسكر الروميللي والأناضول _ شيخ الإسلام " وغيرهم من موظفي الديوان جهازا بيروقراطيا كاملا يكفل إعداد وتنفيذ القرارات ، والتقدم المحسوس في فصل وتنظيم المهام على عهد سليمان القانوني .
وقد شهدت أدوات السلطة المتمثلة في القوات المركزية "الانكشارية" والقوات الأخرى ، وقوات المقاطعة الموزعة عبر أرجاء السلطنة والمكونة من الفرسان "سباهية" وحاميات المواقع الحصينة ، والقوات المساعدة العسكرية وشبه العسكرية والأسطول ، وكذلك تنظيم المقاطعات تطورا ملحوظا على عهد سليمان .
وكان الاقتصاد العثماني حتى هذا التاريخ اقتصادا قائما بذاته ، ومحتفظا باستقلال مجاله وبالقدرة على تنظيم تبادلاته من زاوية احتياجاته الخاصة ، لكنه اقتصاد موجه من قبل الدولة التي عبرت عن تدخلها عبر أشكال عديدة .
وتثبت دراسة نواحي وجوانب الاقتصاد العثماني المختلفة : "الحياة الزراعية والرعوية _ المناجم والمحاجر _ الحياة الحضرية _ مشروعات الدولة _ التجارة الكبيرة _ التطور النقدي" إن بداية ظهور الاختلال النقدي والأزمة المالية يرجع إلى العقود التالية لموت سليمان وامتدت إلى ما بعد القرن السادس عشر ، وتبرهن في ذات الوقت على أن زمن السلطان العظيم كان عصرا ذهبيا .
.
.