المحرر موضوع: قيام الدولة العثمانية  (زيارة 2886 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل المجموعة العربية

  • منتمي
  • *****
  • مشاركة: 2651
قيام الدولة العثمانية
« في: أكتوبر 05, 2011, 08:26:23 am »
الاجتهاد
مجلة متخصصة تُعنى بقضايا الدين والمجتمع والتجديد العربي الإسلامي
العددان الواحد والأربعون والثاني والأربعون
السنة الحادية عشر
شتاء وربيع العام 1419هـ / 1999 م

رئيسا التحرير
الفضل شلق ورضوان السيد

مراجعات كتب

قيام الدولة العثمانية
( محمد فؤاد كوبريلي )
مراجعة حاتم الطحاوي

ظلت مشكلة قيام الدولة العثمانية مختلطة بالأساطير ، حتى قام المؤرخ التركي الشهير محمد فؤاد كوبريلي بنفيها ، وكان أول من توصل إلى دراسة هذه المشكلة عن طريق دراسة الحياة الاجتماعية في الأناضول قبل قيام الدولة العثمانية ، وخلال الفترة الأولى لقيامها . وهكذا قام بدراسة الهجرات الأثنوغرافية والحضارية في الأناضول ، مع دراسة المجتمع البدوي والمجتمع القروي ومجتمع المدن ، كما قام بدراسة طوائف أرباب الحرف والطرق الصوفية .
وأدت هذه الدراسة إلى أنه قرر المؤلف أن الدولة العثمانية كانت (دولة من دول أمراء الطوائف) ، لكنها استطاعت بفضل موقعها الجغرافي ، وبشخصية سلاطينها الأوائل ، وبنظمها الإدارية المحكمة أن تتطور لتصبح إمبراطورية .
يعرض القسم الأول من الكتاب لمشكلة تأسيس الدولة العثمانية وتحقيقها ، فيبدأ المؤلف بطرح سؤاله الهام : قام الغزاة من مغول فارس بتقويض أركان دولة سلاجقة الروم في القرن الثالث عشر ، فكيف قام في القرن التالي تنظيم سياسي جديد في أقصى الشمال الغربي من الأناضول على الحدود البيزنطية السلجوقية ؟ وكيف تحول هذا التنظيم في أقل من مائة عام إلى دولة قوية تحكم البلقان وجزءا كبيرا من أناضول السلاجقة ؟ ويخلص في النهاية إلى اعتبار أن ظهور الدولة العثمانية يعد مشكلة من مشكلات تاريخ العصور الوسطى ، وبالنظر إلى النتائج الهائلة التي نجمت عن هذا الحدث التاريخي .
ويتناول المؤلف في القسم الأول من كتابه (نظرية جيبونز) في تأسيس الدولة العثمانية بالعرض والنقد ، ثم يقدم وجهة نظره لكيفية دراسة مشكلة التأسيس ، دراسة علمية . فيذكر أن جيبونز قدم تعليلات سديدة مثال ذلك قوله أن الدولة العثمانية لم تستطع توسيع ممتلكاتها في الأناضول إلا بعد غزو شبه جزيرة البلقان .
وقوله أيضا أن فتح العثمانيين للبلقان لم يكن غزوا يقصد فقط إلى التدمير والسلب ، لكنه كان عملية توطين تنفذ حسب خطة موضوعة بالفعل . إلا أنه لا يمكن الاتفاق معه في آرائه الأخرى التي تذكر أن أرطغرل أبو عثمان الذي تنسب إليه الدولة هو رئيس قبيلة صغيرة وفدت إلى الأناضول في عهد السلطان السلجوقي علاء الدين الأول فارّة من خوارزم أمام زحف جنكيزخان ، فاستقرت في شمال غرب الأناضول . ولما عاشوا في بيئة إسلامية ، فقد دخلوا الإسلام كأبناء جلدتهم من الأتراك السلاجقة . ثم أرغموا جيرانهم البيزنطيين على الدخول في الإسلام ، وتفسير زيادة إعداد بني عثمان لا يتم إلا بذوبان العنصر المحلي من البيزنطيين .
والرأي الأخير الذي يعرضه المؤلف لجيبونز يذكر أن نصار البلقان الذين دخلوا تحت سيطرة الحكم العثماني لم يعيشوا قرونا طويلة إلى جوار المسلمين مثل نصارى الأناضول ، فابتدع العثمانيون في عهد مراد الأول طرقا جديدة لإدخالهم في الإسلام ، مثل نظام (الدوفشرمه) ، فقد كانت العناصر البيزنطية والصقلية في البلقان تفضل أن تدخل الإسلام على أن تسلم أبناءها للعثمانيين .
ويذكر الأستاذ كوبريللي أن نظرية جيبونز التي تحاول جاهدة إرجاع قيام الدولة العثمانية إلى (سبب ديني خالص) ، والتي تعتقد أن الدخول في الدين الجديد أظهر جنسا جديدا هو (الجنس العثماني) ، هي نظرية لا تصمد طويلا لأن إرجاع واقعة تاريخية لها هذه الخطورة إلى العامل الديني وحده ، إنما هو تعليل من جهة واحدة وأنه _ حتى إذا احتوت على حقيقة جزئية _ يظل قاصرا دائما وغير مقنع أمام تعقد الحقيقة التاريخية . ويقوم المؤلف بنقد نظرية جيبونز عن تحول عثمان إلى الإسلام ، عن طريق تفسيره لأحد الأساطير التي تذكر أن عثمان قضى ليلة في دار أحد الزهاد المسلمين ، ورأى القرآن الكريم على أحد الأرفف ، فظل عثمان يقرأ الكتاب حتى الصباح ، ثم نام ورأى فيما يرى النائم كأن ملاكا يبشره بأنه وذريته سيعلو قدرهم لقاء احترامه للقرآن . كذلك اعتمد جيبونز على أسطورة أخرى تذكر أن عثمان طلب من الشيخ "اده بالى" أن يزوجه ابنته إلا أن الأخير رفض ذلك لمدة عامين ، وفي إحدى الليالي رأى عثمان وهو نائم في بيت الشيخ كأن قمرا يخرج من صدره اده بالى ويقع في صدره ، ثم تخرج من سرته شجرة يغطي ظلها الأرض كله . وقام اده بالى بتأويل الرؤيا بأن عثمان سوف تحكم العام كله .
ويتوقف المؤلف عند هذه الأساطير ليرفض اعتماد جيبونز عليها ، ويؤكد على ضرورة النقد الداخلي للحوليات القديمة ، مع التزام كامل جوانب الحذر عند استعمال المعلومات التي توردها الحوليات العثمانية بخصوص هذه العهود المتقدمة . ويدلل المؤلف على رفضه لهذه الأسطورة إلى تواتر روايات أخرى في عدة مصادر تعالج فترة الأناضول في العصور الوسطى ، من ذلك وجود رواية مشابهة تماما في طبقات "ناصري" للجرجاني وهو من مؤرخي القرن الثاني عشر الميلادي . تتعلق بميلاد فاتح الهند "محمد الغزنوي" ، وكذلك في كتاب رشيد الدين "جامع التواريخ" في بلاط الإيلخانين في القرن الرابع عشر ، حيث نرى في الجزء الخاص بتاريخ الغزو وجها آخر لأسطورة الشجرة التي تُرى في الحلم .
ويخلص المؤلف إلى أن جيبونز لم يقف جيدا على الأحوال الدينية في الأناضول في القرن الثالث عشر الميلادي مما جعله يعتمد على آراء متهافتة مثل اعتماده على أسطورة حلم عثمان السابقة ، كذلك زعمه أن قبيلة عثمان إحدى القبائل الهاربة أمام جنكيز خان غير حقيقي ، لأنه اعتمد على كتب الحوليات العثمانية غير الجديرة بالثقة ، وعجز عن تقييم هذه المصادر كما ينبغي .
ويقدم المؤلف تفسيره لزيادة أعداد العثمانيين وإدارتهم القوية بعيدا عن آراء جيبونز السابقة التي أرجعت الفضل في ذلك للسكان البيزنطيين ، فيذكر الأستاذ كوبريلي أن هذا لا يمت للحقيقة بصلة ، فقد كان المسيحيون الداخلين في الإسلام من أسرة كوسة ميخائيل نادرين جدا بين رجالات الدولة العثمانية في القرن الرابع عشر ، والنصف الأول من القرن الخامس عشر ، كما كانت البيروقراطية تستمد أصولها من التقاليد السلجوقية والإيلخانية ، وتؤكد الوثائق أن كبار رجال الإدارة والجيش يكادون جميعا من الترك .
كما ينفي المؤلف قول جيبونز بأن العثمانيين وضعوا نظام الدوفشرمه خصيصا لنشر الإسلام في البلقان ، ويصفه بأنه قول فردي متعسف لا يتفق مع الوقائع التاريخية . ويعود المؤلف ليتفق مع الآراء التي تذكر فضل طائفة الأخيان (التي تحدث ابن بطوطة عن أهميتها الاجتماعية في الأناضول في القرن الرابع عشر ) في لعب الدور الأهم في تأسيس الدولة العثمانية .
وبعد ذلك يضع الأستاذ كوبريلي تصوره لكيفية دراسة المشكلة دراسة علمية ، وذلك بضرورة الإجابة الصحيحة عن تلك الأسئلة الهامة : إلى أي بطن ينتمي مؤسس الدولة العثمانية ؟ متى كان استقرارهم شمال غرب الأناضول ؟ ما هو وضعهم الاجتماعي ؟ ومجموعة الأسئلة الخاصة بالأثنوغرافيا وتاريخ الديانات وتاريخ القانون والتاريخ الاقتصادي.
وفي نهاية الفصل الأول يرى المؤلف أن الجواب الحقيقي على هذه الأسئلة يكمن في إعادة قراءة ونقد المصادر الإسلامية الخاصة بالأناضول في القرن الرابع عشر ، لأنها على الرغم من كونها محدودة جدا _ فإنها لم تستعمل إلا قليلا مثل "الحوليات الفارسية" للأقصراني ت 732 هـ /1332 م ، "الولد الشفيق" للقاضي أحمد النيكيري 733 هـ / 1232 م ، وكتاب "الحوليات الكبير" لعزيز بن أردشير الأسترأباذي (بزم ورزم) ، وكذلك "سلجوقنامه" لنظام الملك ، وكتاب "تواريخ آل عثمان" ، وكذلك كتاب "تاريخ عاشق باشا" . كما يرى أن منهج دراسة هذه الأعمال يجب أن يعتمد على إخضاعها للنقدين الداخلي والخارجي ، طبقا للمنهج التاريخي ، مع دراسة التركيب الطبقي لأتراك الأناضول لمعرفة موروفولوجيا مجتمعهم ، ودراسة تطور نظمهم الدينية والتشريعية والاقتصادية والفنية .
ويتناول المؤلف في القسم الثاني من الكتاب الأحوال السياسية والاجتماعية في الأناضول في القرن الثالث عشر ، والنصف الأول من القرن الرابع عشر ، مع تذكيره بأنه سوف يقوم بالتركيز على الجانب الاجتماعي للوصول إلى إجابات لأسئلة التي طرحها سابقا.
ويستهل الفصل بذكر أكبر حدثين في التاريخ السياسي للأناضول تلك الفترة ، وهما إمبراطوريتين بيزنطينيتين نتيجة نجاح الحملة الصليبية الرابعة في غزو القسطنطينية 1204 ، وهما (إمبراطورية نيقية) في مدينة نيقية ، و (إمبراطورية طرابزون) على البحر الأسود .
كذلك فإن دولة سلاجقة الروم بلغت أوج قوتها في النصف الأول للقرن الثالث عشر أيام علاء الدين كيقباذ الأول ، واستولت لأهداف اقتصادية على الكثير من المدن الحصينة بالساحل الغربي للأناضول
كذلك قامت بغزو موانئ القرم ، وشنت غارات تأديبية على أرمينية الصغرى . واستولت في شرق الأناضول على مناطق هامة على الصعيدين الاقتصادي والعسكري ، ووقفت أمام دولة جلال الدين خوارزم شاه بأذربيجان وإيران , وأقامت بالداخل العديد من المؤسسات الخيرية والمرافق.
كما قامت علاقة طيبة بين سلاجقة الروم وإمبراطورية نيقية البيزنطية ، وبفضل توجهات السلاجقة الشرقية ، وتوجه أباطرة نيقية نحو الغرب لاستعادة القسطنطينية مرة أخرى ، استمر التوازن السياسي على الحدود السلجوقية البيزنطية في القرن الثالث عشر ، واختل هذا التوازن من الناحية الأثنوغرافية في القرن الرابع عشر لغير صالح البيزنطيين بسبب الغزو المغولي للأناضول في القرن الثالث عشر .
ولم يكن مغول (القبيلة الذهبية) بمنأى عن أحداث الأناضول ، فقد تحالفوا مع (المماليك) وبدؤوا في القرن الثالث عشر الميلادي في الضغط على البلقان وعلى السياسات البيزنطية .
وبينما كانت دولة سلاجقة الروم آخذة في الاضمحلال بتأثير الظروف الداخلية والخارجية ، كانت قوى تركية جديدة تتبلور في الأناضول ، وأقدم هذه القوى وأشدها بأسا هي دولة (أبناء قرمان) غربي كيليكيا . وكذلك إمارة (أولاد كرميان) ، التي ظهرت بتأثير عوامل كثيرة تمخض عنها الاحتلال المغولي . ولم تكن الإمارات الأخيرة مجرد تشكيلات سياسية نجمت فجأة في أوائل القرن الرابع عشر على أنقاض الدولة السلجوقية كما كان يظن ، لكنها قوى محلية أفادت من تفكك الإدارة الإيلخانية وتسامحها ، فظهرت بالتدريج في النصف الثاني من القرن الثالث عشر .
ومن الناحية الأثنوغرافية ، فقد وفدت عشائر تركية على الأناضول قبل الغزو المغولي وبعده ، وتم تسكينها في مناطق خاصة بها ، وجملت هذه العشائر إلى مواطنها الجديدة أسماء كثير من القرى والجبال والأنهار الموجودة في وطنهم الأم . وبدأ سكان هذه العشائر التركية ينثالون على الأناضول تحت حماية السلاجقة بعد انتصارهم في "ملاذكرد" ، وأمر سليمان مؤسس دولة سلاجقة الروم بإسكانهم في سهوب وسط الأناضول ، وكذلك بعض الأماكن شمال غربي وجنوب شرقي الأناضول وكانت الدولة السلجوقية تعمد في عملية التوطين هذه إلى أكبر العشائر وأقواها ، فتقوم بتقسيمها إلى عدة أقسام وتسكنها قي أماكن بعيدة عن بعضها ، دفعا لخطر العصيان الذي يمكن أن يعلنه أي تكتل أثنوغرافي قوي، ولا شك أن السلاجقة كانوا يرمون إلى تحطيم التساند القبلي وتمهيد الطريق العام أمام التكون القومي لصالح الأسرة السلجوقية .
ويستمر المؤلف في تتبع العامل الأثنوغرافي ، فيذكر أن الكتل التركية الكثيفة التي تدفقت بعد ذلك على الأناضول بعد ظهور المغول ، ثم ازدادت بعد قيام الحكم الإيلخاني به ، قد ازدادت من أغلبية السكان الترك في الأناضول ، ويستند لإبراز وجهة نظره إلى ما ذكره "ماركو بولو" عن الوضع الأثنوغرافي في أناضول القرن الثالث عشر كما يشير إلى أن الترك _ وقد زادت كثافتهم _ كان لا بد لهم أن يزحفوا خارج الأناضول ، ونحو الغرب بحثا عن أماكن جديدة للاستيطان ، ولم تكن بيزنطة من القوة بحيث تحمي حدودها ، ودخلت بعض العناصر البدوية الباحثة عن المراعي أراضي الدولة البيزنطية ، والتحق البعض منهم بخدمة البيزنطيين.
وهكذا قام المؤلف بإيضاح أهم العوامل المورفولوجية لتضييق الترك على البيزنطيين أواخر القرن الثالث عشر وإبان القرن الرابع عشر ، وذلك التضييق الذي حمل البيزنطيين فألقى بهم بعيدا عن آخر ما احتفظوا به من الأراضي غرب الأناضول .
ويقوم المؤلف بتقسيم مجتمع أتراك الأناضول في القرن الثالث عشر الميلادي إلى ثلاث مجتمعات : البدو ، وأهل القرى ، وأهل المدن . فكان البدو يزاولون الزراعة لكنهم عاشوا أساسا على تربية الحيوان والخيل وصناعة السجاجيد الأناضولية وكانوا يغيرون على القرى المجاورة ، وكان عليهم أداء الضريبة العينية للدولة من القطعان التي يملكونها ، وجرى إعفاء العشائر التي أقطعت المشاتي والمصايف في مناطق الحدود لغايات عسكرية . أما عشائر التركمان فكانت أنقى العناصر التي تمثل القومية التركية ، ولم تكن تعترف بأي نظام اجتماعي غير نظامها العشائري المغاير لمفهوم النظام في الدولة ، وكانت لا تنصاع لقانون وتنظر لأهل القرى والمدن باستخفاف ، فإن وجدت خللا في نظام الإدارة قامت بالهجوم على القرى المكشوفة والمدن الضعيفة الدفاع ، وقوافل التجارة ، وأعملت السلب والنهب ، ومع أن هذه العشائر التركية كانت مسلمة بوجه عام فإنها لم تكن متمسكة بالإسلام بل كانت أكثر إتباعا لتقاليدها المتوارثة التي يغطيها طلاء إسلامي سطحي ، وكانت خاضعة لرؤساء من (غلاة الشيعة) وهم في حقيقة الأمر امتداد للشامانات الترك تعلوهم مسوح إسلامية .
ويذكر المؤلف أن القرويين شملوا أكثرية هامة بالنسبة لعدد سكان الأناضول الذي لم يكن آهلا بالسكان أيام الفتوحات السلجوقية الأولى ، فقد ساهمت الحرب البيزنطية / الفارسية ، والبيزنطية / الإسلامية في تدهور أعداد السكان ، وكذلك الأمر أيام الفتوحات السلجوقية ويرى المؤلف أن بعض العناصر الإسلامية من غير الترك ، وبعض العناصر المسيحية قد وفدت على الأناضول وأسست العديد من القرى ، لكن هؤلاء جميعا تتركوا بالتدريج وسط الأغلبية التركية وتحت الحكم التركي ، وكانت الحياة أكثر تطورا في القرى الواقعة على الطرق التجارية وفي أكناف العقبات ، وفي المناطق التي تزاول صناعات التعدين وكانت القرى تمثل في الغالب إما وحدة دينية وإما وحدة إثنوغرافية ، إذ ربما قطنت بطون معينة من قبائل معينة في بعض القرى، فتعرف هذه القرى باسمها الإثنوغرافي . ولم يمثل أهل القرية طائفة اجتماعية متجانسة ، فكانت كل طائفة تقوم بزراعة أراضيها بنفسها ، وطائفة أخرى تزرع أراضي غيرها مقابل أجر يومي ، وأخرى _ وهي الأكثر _ تستغل رؤوس أموالها في زراعة الأرض التي يملكها الغير لقاء اقتسام الربح مناصفة بالإضافة إلى ارستقراطية قروية قليلة العدد تملك قسما كبيرا من أراضي القرية . يزرع بعضها بتشغيل الفلاحين ، وبعضها بنظام المزارعة بالنصف . وكانت هذه الطبقة تمثل الطبقة الحاكمة في القرية ، وفي نفس الوقت كانت تمثل حائلا دون الاتصال المباشر بين أجهزة الدولة والشعب . وكان الرئيس أو الكخيا يمثل الدولة وسلطتها المالية بالقرية ، ومع أن المفروض أنه كان يعمل على رعاية المنافع العامة لأهل القرية ، فإنه في حقيقة الأمر كان يعمل شريكا لأرستقراطية القرى كما كان يجري إعفاء القرية أو مجموعة القرى من جميع (الضرائب) إذا قامت مقام الدولة في استغلال معدن أو حراسة طريق أو إصلاح أحد الجسور ، أو قامت بأداء عمل يقع في الأصل على عاتق الدولة .
ويذكر المؤلف أن الحياة في مدن الأناضول قد اضطربت لمدة طويلة نتيجة للفتوح السلجوقية . ومع هذا فلم تكن دولة سلاجقة الروم تدعم قواها العسكرية والسياسية في منتصف القرن الثاني عشر وتكون جهازا إداريا محكما حتى تطورت التجارة الداخلية والخارجية ، وساعد ذلك على انتعاش المدن.
وانتهج السلاجقة في القرن الثالث عشر سياسة تجارية فعالة ، من ذلك أنه أوقعوا بأرمينية الصغرى حين أخلت بأمن قوافل التجارة وأرغموها على دفع التعويضات عما ألحقت بالتجارة من أضرار . كما استولوا على ميناء انطاليا لأهميته التجارية الكبيرة . كذلك أقام سلاجقة الروم علاقات تجارية مع البنادقة الذين شغلوا المركز الأول في تجارة البحر المتوسط والبحر الأسود .
ويذكر المؤلف بأن الحركات المغولية وحكم الأيلخانية قد أديا إلى نتائج تجارية طيبة رغم القلاقل الاجتماعية التي أحدثتها ، ورغم الأضرار العسكرية . فاستمرت المراكز الواقعة على الطرق التجارية مثل قونية وقيصرية وسيواس وأرضروم في ازدهارها التجارية عصر الأيلخائين ، والدليل على ذلك ماذكرته المصادر المسيحية ككتابات ماركوبولو ووليم روبروك والمؤرخ الأرمني هايتون ، فضلا عن المصادر الإسلامية .
وأخذ الأتراك _ منذ الفتوحات الأولى _ في سكنى المدن البيزنطية التي استولوا عليها ، وبدؤوا في تنظيم العلاقات الداخلية ، وفي تركيز بعض الصناعات في المدن ، وهكذا تحول الاقتصاد القروي إلى اقتصاد مدني على نحو تدريجي . وأخذت المدن الأناضولية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر في التشكل كمراكز تجارية وصناعية كبيرة تعيش فيها عناصر إثنوغرافية شتى ، ونحل وطبقات اجتماعية مختلفة وأرباب مهن كثيرة ، مثلها بغداد وحلب وغيرها من المدن الإسلامية .
ويلحظ المؤلف أنه منذ القرن الثالث عشر ، كانت المدن القديمة مثل قونية وقيصرية وسيواس تشتمل على السكان الترك المسلمين الذين يشكلون أغلبية ، بالإضافة إلى الروم والأرمن والقليل من اليهود . وكانت نسبة العناصر الأخرى تتغير بطبيعة الحال من مدينة إلى أخرى .
وكان أصحاب كل دين يقيمون في مكان مستقل ، وقامت حياة المدينة بتقريب الفجوات بين المسلمين وغير المسلمين على الصعيد الثقافي ، فعندما مات جلال الدين الرومي اشترك نصارى ويهود قونية مع المسلمين في جنازته ، وكانت العادات والمقدسات المحلية التي ترجع إلى ما قبل المسيحية منتشرة بين سكان المنطقة المسيحيين والمسلمين .
ويفيض المؤلف في الحديث عن الحياة الداخلية في المراكز التجارية والصناعية ذات الأغلبية التركية مثل سيواس ، متناولا التشكيلات المحلية والطوائف الاجتماعية التي تولدت عن طبقة مهنية متقدمة ، فنتحدث عن طبقات أهل المدن من المدنيين والعسكريين ، كذلك عن العلماء والمدرسين والوعاظ وشيوخ الطرق والسادات والشعراء والأطباء والنقاشين والموسيقيين ، وغيرهم من رجال الدولة الذين يتقاضون أموالا من الخزانة العامة .
كذلك يشير المؤلف إلى الكثير من المستشفيات ومطاعم الفقراء والتكايا والمدارس والكتاتيب التي جرى تأسيسها بفضل أوقاف السلاجقة ، ورجال الدولة ، وأثرياء التجار ، وساهم كل هذا في تقديم المدن في الأناضول في القرن الثالث عشر فضلا عن وجود طائفة أرباب الحرف ، التي اعتمدت على طبقة التجار التي قامت بتنظيم النشاط الصناعي ، كما قامت بتدبير أمر القوافل الداخلية والخارجية منها ، وقامت بتوريد حاجات المدينة من الأسواق الداخلية والخارجية ، ولم تكن هذه الطبقة تقوم بتشغيل أموالها في التجارة فقط ، بل كانت تقوم بتشغيل أموال العائلات الأرستقراطية ، وأموال البيروقراطية وأحيانا الأموال البسيطة التي تملكها الطبقة المتوسطة .
ويستمر المؤلف في رصده للأحوال الاقتصادية بالأناضول فيذكر أن الأسواق المحلية كانت تقام داخل المدن أو خارجها ، والأسواق الجامعة التي توفر تبادلا تجاريا أكبر تخضع لحماية الدولة ورقابتها ، وكانت الدولة تحصل ضريبة خاصة على ما يتم بداخلها من المعاملات ، كما كانت تقوم بتجهيز قوة عسكرية لا يستهان بها لحماية الأسواق الكبيرة من غارات العدو . وفي عهد الايلخانيين كانت الضرائب التي تحصل من المدن تسمى (تمغه) ، وبقى هذا المصطلح وبقي نظام الضرائب الأيلخاني مدة طويلة في بعض نواحي الأناضول . كانت لأرباب كل حرفة في المدن الكبيرة سوق خاصة بهم ، مسقوفة أو مكشوفة يزاولون منها العمل في دكاكينهم . وكان كبار التجار وأصحاب الدكاكين من باعة البضائع الثمينة يقيمون في الأسواق المغلقة ، أو ما جاورها من الخانات الكبيرة الآمنة . وفي المدن تجمع أصحاب كل حرفة في طائفة مستقلة وكانت هذه الطوائف ذات التسلسل الرياسي الدقيق تنظر في كل ما يتعلق بالصنعة من مشكلات وتحل ما يقع بين أفرادها من خلاف وتنظم العلاقة بين جهاز الدولة وأرباب الحرف ، وكان من اختصاصها أيضا تقدير الأجور وتعيين مواصفات البضاعة وتحديد ثمنها . وكانت الدولة تراقب هذه الطوائف وتساعدها إذا اقتضى الأمر ، أي أنها كانت تعترف بها كهيئات قانونية ، وتمنحها بعض العقود والامتيازات . واكتسب بعض أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة أهمية خاصة لدى السلاطين ، وكان منهم من يوفد في مهمات دبلوماسية أو استخبارية .
ويشدد المؤلف على أن العامل الأخلاقي هو الذي وقف حائلا بين العمال والثورة على أصحاب رأس المال ، فقد كان مذهبهم الأخلاقي يقوم على الأسس الدينية / الصوفية من ناحية ، وعلى تقاليد البطولة من ناحية أخرى ، ويجعل العلاقة بين العالم ورب العمل كعلاقة المريد بالشيخ ، ويذكر أن هذه الجماعات المعروفة بجماعات الفتوة كانت قد انتشرت في كل البلاد الإسلامية الشرقية ، وكان تشكيه القوي في الأناضول يعرف أعضاؤه بعبارة (أخلير) ، أي الإخوة .
ولم يقتصر وجود هذه التشكيلات على المدن وحدها ، بل وجدت في القرى ومناطق الحدود ، وكان المنتسبون إليها ينتمون إلى طبقات اجتماعية مختلفة فمنهم رجالات الدولة و أغنياء التجار ، والمشايخ والعلماء وأرباب الحرب ، وكذلك "الحرافيش" ومن لا عمل لهم . كذلك أخذ الصناع في المدن في الانضمام إلى صفوف هذه الجماعات تدريجيا ، لكن معظم المنتسبين إليها في المدن الكبرى كانوا من صغار السن وصبيان أرباب الحرف . ولقد أكدت هذه التشكيلات وجودها في النصف الثاني من القرن الثالث عشر في الفترات التي اختل فيها سلطان الدولة ولعبت دورا هاما في حياة المدن ، وصار يحسب حسابها دائما .
ويخلص المؤلف إلى أن مجتمع أتراك الأناضول في القرن الثالث عشر الميلادي كان من أرقى المجتمعات في العصور الوسطى المتأخرة من ناحية توزيع العمل ، والتطور الاقتصادي . وكانت دولة سلاجقة الروم دولة مركزية النظام ذات نظم محكمة تستمد أصولها من التقاليد الإدارية والسياسية التي سادت في دول السلاجقة الكبار . وكان أناضول السلاجقة متقدما إلى حد ما من الناحية الثقافية ، فانتشرت الكتاتيب بجوار المساجد لتعليم الأطفال القراءة والكتابة وانتشرت المدارس في كل مكان ، وازدهر النشاط الفكري خاصة بعد أن استوطن بالأناضول كثير من العلماء والمتصوفة والشعراء الذين هاجروا من الشرق أمام الزحف المغولي ، وبفضلهم اكتسبت مدارس السلاجقة شهرتها الواسعة .
ويعالج القسم الأخير من الكتاب الحياة على الحدود وتأسيس الإمبراطورية العثمانية ، لكنه يتناول أولا أصل قبيلة عثمان ، فيذكر أن العنصر الذي أنجب أسرة عثمان هو عنصر "غزي" أي تركماني لا يفرق في ذلك عن أغلبية الترك الذين وفدوا مع السلاجقة . ويقبل المؤلف الرأي القائل بأن انتماء العثمانيين كان لقبيلة "قايي" ، التي هاجرت من الشرق إلى الغرب ، وتوطن قسم في أذربيجان وجنوب قفقاسيا ، أما القسم الذي ورد إلى الأناضول فقد تقسم وتفرق في أماكن مختلفة ، فما زال عدد من القرى المتباعدة في الأناضول يحمل اسم قايي.
ويبتعد المؤلف عن التفسيرات الأسطورية الأخرى ، فيقرر انه في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي كان أرطغرل ثم عثمان من بعده رئيسيين لعشيرة صغيرة من عشائر الحدود تنتمي إلى قبيلة قايي ، وكانت هذه العشيرة تخضع نظريا لا عمليا لسلاجقة قونية ثم للآيلخانين ، وكان موطنهم هو منطقة (أسكي شهر الواقعة شمال غرب أفروجيا) على الحدود التركية البيزنطية .
ويتناول الكتاب الحياة على الحدود ، فيذكر التشكيلات العسكرية والإدارية التي أقامها سلاجقة الأناضول على الحدود الشرقية والغربية ، وهي تشكيلات الأوج . وكانت أكبر الأوجاقات السلجوقية تقع غرب الأناضول على حدود إمبراطورية نيقية ، وهكذا كان تركمان الأوج يغيرون لحسابهم الخاص على الأراضي البيزنطية ، ويعودون منها بالغنائم والأسلاب وآلاف الأسرى ، وكثيرا ما تسببوا في الصدام بين بيزنطية والسلاجقة بسبب سياستهم التي خرجت عن سيطرة السلطة المركزية للسلاجقة وصنعت هذه العشائر التركمانية المقاتلة الكثير بجيش فريدريك بارباروسا (الجيش الألماني في الحملة الصليبية الثالثة) ، وهو ما لم تصنعه الجيوش السلجوقية النظامية .
ومع أن إمبراطورية نيقية كانت على وئام مع سلطنة قونية ، فقد غيرت خططها الدفاعية من أجل صد غارات عشائر التركمان ، بواسطة إيجاد فيالق عسكرية للدفاع عن الحدود كانت تسمى Akritai ، أو "الخرائطية" كما جاء في المصادر الإسلامية ، ومع نقل العاصمة إلى القسطنطينية بعد نجاح ميخائيل الثامن باليولوغس في استعادتها من اللاتين 1262 ، ساهم ذلك في إهمال وسائل الدفاع لمدة طويلة ، كما أن الإمبراطور صادر قسما كبيرا من الأراضي التي كان ريعها وقفا على الخرائط ، مما أدى إلى إعلاء العصيان ، ويبدو أن قسما منهم انضم إلى العشائر التركمانية في الجهة المقابلة . وهكذا مكن ضعف الدفاع عن الحدود البيزنطية حكام الحدود من التركمان _ خاصة بعد أن فقدت نيقية صفتها كعاصمة _ من أن يقوموا بتوسيع أراضيهم بالتدريج نحو الغرب ، كما ساعد أيضا على تكوين التشكيلات السياسية الجديدة على الحدود البيزنطية وبخاصة حين ضعف الحكم السلجوقي تخت وطأة المغول .
وعندما اضطربت أحوال بيزنطة نتيجة لعجز الإمبراطورية عن الدفاع عن رعاياها في الشرق ، مع إثقالهم بالضرائب ، أثر بعضهم الدخول في طاعة أمراء الحدود من التركمان لقاء جزية خفيفة ، وأخذت الإمارات التركية الحدودية تتحول بالتدريج من عشائر تحيا على السلب إلى تشكيلات سياسية منظمة تتكفل بمصالح رعاياها .
كما يشير المؤلف عند الحديث عن العناصر الأثنوغرافية والدينية في الأناضول خلال نفس الفترة إلى وجود العديد من العلماء الذين درسوا في العواصم الإسلامية وفي إيران ومصر والقرم ، ومعهم طائفة من أعضاء البيروقراطية السلجوقية والأيلخانية المهاجرة من وسط الأناضول ووضعوا معل _ وبالتدريج _ أساس الجهاز الإداري في إمارات المؤسسات الثقافية . وهكذا تطورت الحياة في مدن وقرى الحدود وزادت كثافتها السكانية .
ولما كانت مناطق الحدود هذه تقع في أقصى "دار السلام" من الناحية الغربية ، وكان الصراع فيها مصطبغا إلى حد ما بالصبغة الدينية ، وله طابع "الجهاد المقدس" ، فقد وفدت على هذه المناطق جماعات مختلفة من الناس يتزينون بزي الدراويش الرحالة (ظاهرهم طلب الجهاد ، وحقيقتهم طلب العيش) .
وعلى الرغم من الدعاية التي كانت تزاولها المدارس الدينية والطرق المستقرة في المدن ، فلم تقع بين المسلمين والنصارى الذين يعيشون تحت حكم واحد في مناطق الحدود أية خصومة ترجع إلى سبب ديني ، وهو ما يؤكد انعدام العداء الديني بين المسلمين والنصارى في الأناضول طوال العصور الوسطى المتأخرة ، وبخاصة فترة الأتراك السلاجقة .
ويتناول المؤلف مسألة الدخول في الإسلام ، فيذكر أن انتشار الإسلام في نصارى شرق الأناضول ووسطه لم يبلغ شأنا كبيرا في العهدين السلجوقي والايلخاني ، معتمدا على ما يرويه الأقسراي من أن الجزية التي كانت تجبى من أتراك الأناضول في القرن الثالث عشر قد كونت قسما هاما من الإيرادات العامة . كما يقرر أن الدخول في الإسلام بالأناضول في العهد العثماني قد حدث بالتدريج منذ القرن الرابع عشر ، وأن نسبته لم ترتفع إلا بعد أن رسخت الدولة العثمانية أقدامها في البلقان في القرن الخامس عشر ، ويؤكد أن الدولة العثمانية جرى تأسيسها في القرن الرابع عشر بعناصر تركية خالصة ، فلما آل أمرها بعد النصف الثاني من القرن الخامس عشر إلى أن تصبح إمبراطورية كبيرة تسيطر على عناصر مختلفة ، دخلت في الجهاز الإداري _ كما حدث في الامبراطوريتيين البيزنطية والعباسية . ( عناصر متعثمنة Ottamanises ) ، وإذا كان انتماء قسم كبير من أباطرة بيزنطية إلى عناصر أجنبية لم يتخذ دليلا على عجز العنصر البيزنطي عن إدارة دولاب الإدارة ، فلا يمكن أن يكون موقف الإمبراطورية العثمانية وهو مماثل لموقف الإمبراطورية البيزنطية دليلا على عجز الترك .
ويعرض المؤلف للتشكيلات العسكرية التركية ، فيذكر وجود "الغزاة والأبطال" ، والذين يذكرهم عاشق باشا باسم "غازيان روم" أي غزاة الروم ، وتذكرها المصادر الأخرى "آلبلر" ، ويرجع ظهور هذا التشكيل الاجتماعي العسكري في الأناضول إلى أيام الفتوحات السلجوقية الأولى ، كذلك يذكر وجود طائفة "الأخيان" التي انتشرت في الأناضول ، والتي تشبه طائفة العيارين والشطار والغزاة ، ووجد أشخاص ينتسبون في نفس الوقت للأخيان والغزاة الأبطال ، فيوصف الواحد منهم بأنه ألب وأخي في نفس الوقت . وقام أفراد طائفة الأخيان بالكثير من الثورات المناهضة للسلاجقة ، واستولوا أحيانا على قونية ، قبل أن يردهم السلاجقة . ويؤكد المؤلف أن (لطائفة الأخيان الدور الرئيسي في تأسيس الدولة العثمانية ، وفي إنشاء الجيش الانكشاري) .
كما يتناول المؤلف تشكيلا اجتماعيا ثالثا ، لم يذكره سوى كتاب عاشق باشا زاده ، وهي جماعة باجيان روم "أي منظمة النساء" ، ويظهر المؤلف تعجبه من هذه المنظمة ، ويتساءل ، هل كن حاملات السلاح من نساء القبائل التركمانية الحدودية ؟ ربما كان هذا هو التفسير الوحيد .
أما التشكيل الرابع الذي تحدث عنه عاشق باشا هم طائفة "أبدال الروم" ، أي (الهراطقة من دراويش الأناضول) . وكانت أهم الطرق الكازونية نسبة للمتصوف الإيراني اسحق الكازوروني ، وكذلك الطريقة القلندرية والحيدرية التي انتشرت في الأناضول في القرن الثالث عشر .
وفي نهاية الكتاب يعرض المؤلف للأحداث التاريخية التي اكتنفت عملية تأسيس الدولة العثمانية ، فينبه لجهود عثمان وخلفائه وتوسيع رقعة أراضيهم على حساب بيزنطة في الأناضول ، ثم في البلقان حتى نجاحهم في إسقاط الإمبراطورية البيزنطية تماما ، ثم يذكر العوامل التي حتمت ظهور الدولة العثمانية وساعدت على نموها ، من ذلك موقعهم الجغرافي على الحدود التركية/البيزنطية ، وعدم اتخاذ القبائل التركية الأخرى موقفا عدائيا من دولة العثمانيين الناشئة ، وتدفق العناصر البدوية والقروية التركية على غرب الأناضول منذ القرن الثاني عشر الميلادي . ويشير المؤلف إلى أن سقوط "غاليبولي" في يد العثمانيين قد اجتذب كثيرا من العناصر البدوية وفقراء القرى للاستيطان في الأراضي الخصبة حولها ، فضلا عن هجرة العديد من الفرسان الأتراك أيضا طمعا في الحصول على إقطاعات غنية في الأراضي التي تقع حول غاليبولي .
وبالإضافة إلى قوة الجيش الإنكشاري العثماني ، فقد قام العثمانيون بتقسيم الأراضي المفتوحة إلى إقطاعات تمنح للسباهية الفرسان . وإلى جانب عوامل النجاح السابقة ، لا يمكن إغفال مزايا الحكام العثمانيين الأوائل : عثمان وأورخان ثم مراد بوجه خاص .

انتهى ...

تشرين أول / 2011

صافيتا / زياد هواش

..