الامه هو مصطلح كثيرا ما سنتناوله في حديثنا ولذلك فهناك ضروره لتوضيح هذا المصطلح وما يعني، عسي ان يزيل اللبس القائم عن البعض حول هذا المصطلح وخاصه ما يدور في اذهان الكثيرين عما اذا كانت الامه عربيه ام اسلاميه وهو ما يجعل الحوار مغلقا في بضع الاحيان لما قد ينتهي اليه الامر بالتكفير لكل من يردد باننا امه عربيه وكاننا ننفي وجود الاسلام ونحاربه.
ولفض هذا الالتباس علينا ان نتسائل عما اذا كان الانسان مخيرا ام مسيرا؟ وهو امر كثيرا ما بحث فيه الاسلاف واختلفوا في بعض الاوقات واتفقوا في غيرها واذا ما استطعنا ان نجيب علي هذا التسائل الذي احتار اجدادنا في امره لقمنا بفك الالتباس ما بين العروبه والاسلام بمنتهي السهوله والبساطه.
الانسان لا مخير ولا مسير بل هو خليط بهما سويا اي انه مخيرا في بعض الاشياء ومسيرا في اشياء اخري فعلي سبيل المثال هو مسير في ميلاده ووفاته ليس بيده حيله في ذلك ومخيرا في اعماله امامه الخير وامامه الشر يفعل ما يشاء بارادته وحده ولا دخل لاحد غيره في اختياراته، وعلي ذلك نجد الله لا يحاسبنا علي ميلادنا او وفاتنا فهم امور خارجه عن ارادتنا الهم الا اذا اراد انسان ان ينهي حياته بيده ولكنه لا يستطيه اعاده الحياه اليها او تقديم موعد ميلاده او تاخيره، لكن الله يحاسبنا علي افعالنا وما نقوم به بارادتنا لانه اختيارنا فما كان الله ظالما وما يكون ليحاسبنا علي امور مفروضه علينا لا اراده لنا فيها وكونه عالما بما نفعل في مستقبلنا فلانه الخالق ولا ينبغي ان نفهم امكانياته علي ضوء امكانياتنا.
ومن هنا فان الاديان السماويه الاسلام والمسيحيه واليهوديه او ما نسمع عنه من اديان اخري بغض النظر عن اتفاقنا او اختلافنا او حتي اللا دين فكلهما اختيارات بشريه ينتمي الانسان الي احدهما طوعا وبمحض ارادته وعلي ضوء اقتناع شخصي او لهوي في النفس وقد يغير الانسان دينه فيحاسبه الله علي قدر ما فعل خيرا او شرا فالدين لا يفرض علي الانسان، حتي دين اهله لا يفرض عليه الا اذا اقر هو ذاته به، اي ان الدين هو من ما يختاره الانسان.
اما العروبه في تلصق بالانسان بغض النظر عن دينه فهي انتماء الي امه ... انتماء الي وطن لا خيار لاحد فيه فبمجرد ميلاده بل حتي وهو لا يزال في رحم امه او فكره لدي والديه تفرض عليه بلده ولا يستطيع مهما فعل ان يغير وطنه قد يكرهه او يتنكر له وقد يتعامل مع اعداءه ضده ولكنه سيظل ابدا مربوطا بهذا الوطن يكافئ علي اخلاصه له ويعاقب علي خيانته ولكنه لا يستطيع مهما بلغ من قوه واراده تغيير وطنه.
هذا هو ببساطه الفارق ما بين العروبه والاسلام الاول انتماء الي وطن والثاني انتماء الي دين لا تعارض بينهما مهما حاول البعض فهما ليسا في مجال مقارنه حتي يتعارضا او يتفقا فنري ان هناك عربي مسلم واخر مسيحي وغيرهما يهودي ولكنهما يتفقان في العروبه وفي الانتماء الي ذات الوطن يحاسب كلا منهما الاخر علي ما يفعله لهذا الوطن، ونري عربي مسلم وهندي مسلم وارجنتيني مسلم يجمعهما دين له فروضه ومعتقداته يحاسب الله كلا منهما علي ما اتم من هذه الفروض كما يحاسب المسيحي واليهودي، ولا يجوز ان يحاسب المسلم المسيحي او اليهودي علي اعتناقهم لدينهم كما لا يجوز ذات الامر لمسيحي او اليهودي او غير ثلاثتهم.
ولكل من لم يقتنع ان ياتي معنا الي القرآن الكريم لنري ما قاله عن الامه فلقد ذكرت كلمه امه في القرآن بـ 64 ايه وجاءت باربع معاني مختلفه وليست كمعني واحد كما يدعي البعض بانها جاءت لتدل علي كوننا امه اسلاميه.
• جاء المعني الاول ليدل علي ان كلمه امه تعني القدوه والمثل الذي يحتذي به وذلك في سوره النحل بالايه 120 "إن ابراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً، ولم يك من المشركين"
• وجاء المعني الثاني ليدل علي ان الامة تعني الاجل او الزمن وذلك في سوره هود بالايه 8 "ولئن أخرنا عنهم العذاب إلي أمة معدوده"
• وجاء المعني الثالث ليدل علي ان كلمه أمة تعني العقيده أو الطريق وذلك في آيتين متتاليتين بسوره الزخرف الاولي بالايه 22 "إنا وجدنا آباءنا علي أمة وإنا علي آثارهم مهتدون" والثانيه بالايه 23 " إنا وجدنا آباءنا علي أمة وإنا علي آثارهم مقتدون"
• وجاء المعني الرابع في باقي الـ60 ايه التي ذكرت بها كلمه أمة لتدل علي ان معناها هو الجماعه التي تميزت عن غيرها مهما كان ذلك المميز فمثلا وردت بسوره ال عمران بالايه 104 "ولتكن منكم أمة يدعون الي الخير" وفي سوره الاعراف بالايه 159 "ومن قوم موسي أمة يهدون بالحق" وفي سوره يونس بالايه 19 "وما كان الناس إلا أمه واحدة فاختلفوا" وفي سوره هود بالايه 48 "قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلي أمم ممن معك" ، كما انه وبلغه القرآن قسمت الامه الي العديد من الامم فعندما تحدث عن الرسل والانبياء موسي وهارون وابراهيم ولوط ونوح وسليمان وايوب واسماعيل وادريس وذا الكفل وذا النون وزكريا ويحيي قال في سوره الانبياء بالايه 92 "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون" وفي مكان اخر تحدث عن بني يعقوب باعتبارهم أمة وذلك في سوره البقرة بالاية 134 "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون" ، كما ذكر ايضا القرآن الامه علي من يتميز بموقف محدد او صفه بعينها ولو في لحظه بذاتها يدخل فيها لتلك الامة الفاعله لذلك الموقف او المتسمه بتلك الصفه ثم يكون خارجها بتغيير فعله وموقفه او صفته كما جاء في سوره المائدة بالاية 66 "منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء كا يعملون" وكما جاء في سوره القصص بالاية 23 "ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون"
وعلي هذا فالقرآن الكريم الذي يستند عليه من ينفون وجود الامة العربيه لم ينفي وجودها بل اكدها واكد الانتماء اليها كما انه لم يذكر معني واحداً لكلمه الامة بل ذكر العديد من المعاني كما لو ان الانسان ينتمي بالضروره الي العديد من الامم ولكنها امم غير متناقضه في الحقوق والواجبات التي تفرضها علي المنتمي اليها، فاذا استبعدنا من حديثنا المعني الاول والثاني لكلمه الامه وهما القدوه والزمن لفرض المعني الثالث وهو العقيده ان يكون الاسلام امه والمسيحيه امة واليهوديه امة والكفر أمة وعباده الاصنام امه والشرك امة بمعني عقيده الاسلام وعقيده المسحيه وعقيده اليهوديه وعقيده الكفر وعقيده الشرك وعقيده عباده الاصنام دون التطرق لمتبعين تلك العقيده اي انها في حد ذاتها حتي ولو تخلي عنها كل المؤمنين بها أمة كما جاء بنص القرآن كما انه وبذات المعني كل طريق يتبع حتي ولو لم يكن عقيده ولكن اتبعه البعض او ظلوا يتبعونه امة في حد ذاته.
اما المعني الثالث وهو الجماعه التي تتميز بشئ عن غيرها من الجماعات سواء كان بسبب رابطه الدم او المصاهره او العمل او الفكر او العقيده او الصفه او المكان فهو يجعل الامر اكثر انفتاحا امامنا فالانسان الواحد قد ينتمي الي عشرات الامم في ذات الوقت دون تعارض او تضارب لان كل امه لها التزاماتها التي لا تلغي التزامات الاخري فعلي سبيل المثال هناك انسان ولد ويعيش بالمنطقه العربيه ومسلم الديانه ويعمل نجاراً ويتسم بالاخلاص وسمعه ضعيف وبشرته سمراء فطبقا لقول القرآن فهو ينتمي الي الامة العربيه لافرق بينه وبين غيره بداخل هذا الوطن عليه واجباته وله حقوقه يدافع عنه ويصد العدوان عليه ويسعي لنهضته الي جوار باقي ابناء هذا الوطن وفي ذات الوقت ينتمي الي الامه الاسلاميه يؤدي فروضها ويلتزم بها كدين انزل للناس جميعا ولم يكن مقصورا علي بقعه جغرافيه بعينها ولا يجوز ان يتم اقصاره عليها مهما بلغت من كبر الحجم، وهو ايضا ينتمي الي امة العاملين بالنجاره والي امة المتسمين بالاخلاص وامة ضعاف السمع وامة سمر البشره لان كلا منهما جماعه تتميز عن غيرها من الجماعات دون تمايز.
المهم هو ان يعي الانسان بان هذه الانتماءات لا تتعارض ولا يجوز له ان يخلط بينهما كمن يخلط بين الانتماء الي الوطن والانتماء الي الدين فهو اشبه بمن يخلط ما بين المنتمي الي احدي المهن والمتصف باحدي الصفات.
ولما كنا نتحدث هنا عن الامه بمعناها الوطني لا بأي معني اخر فهي عندنا ذات مفهوم واحد لا يوجد غيره اجتهد الكثيرين للوصول الي إليه فمنهم من عرفها بانها نتاج اللغه الواحده والتاريخ المشترك ومنهم من اضاف الحياه الاقتصاديه والثقافيه الواحده اليها وفي النهايه وصلنا الي ان الامه هي "مجتمع ذو حضاره متميزه من شعب معين مستقر علي ارض خاصة ومشتركة تكون نتيجه تطور تاريخي مشترك" هذه هي امتنا التي نتحدث عنها والتي لا يجب الخلط بينها وبين اي انتماء اخر قد يؤدي الي تعارض الواجبات والحقوق والا لدخلنا في متاهات الهجوم والدفاع ولاقتحمنا ساحه حرب ليس لها وجود الا في اوهام البعض وادي هذا الي ان تكون النتيجه مزيداً من اللبس والخلط ما بين الانتماء الي وطن وارض والانتماء الي دين مما لا يقع بالضرر الفكري الا علي الاثنين معا ولا يكون باي شكل من الاشكال في صالح احدهما.
والواضح من خلال قراءه التاريخ والواقع نعرف ان خلط الانتماء الي الوطن والانتماء الي الدين والقول بان لكل وطن دين ولكل دين وطن أدي الي العديد من الكوارث ونشبت بسبب هذا الحروب التي راح ضحيتها الابرياء ممن لا يرضون التخلي عن الوطن اوالتخلي عن الدين، وحدث ذلك مره حينما قال البابا اربان الثاني "أن الارض التي تقيمون عليها لا تكاد تنتج ما يكفي من غذاء الفلاحين وهذا هو سبب اقتتالكم فانطلقوا الي الاماكن المقدسه وهناك ستكون ممالك الشرق جميعا بين ايديكم فاقتسموها" وكان هذا القول ليس له علاقه بالديانه المسيحيه واستغل بعض الاوريين الدين وقالوا ان نشاه المسيحيه كانت في فلسطين وهو ما يعني ان علي المسيحين استرداد فلسطين من المسلمين وفي واقع الامر لم تكن الحرب الصليبيه ضد المسلمين وفقط كما ادعوا وانما كانت ضد العرب جميعا مسلمين ومسيحين ويهود وعلي هذا فان اي متبني لنفس الفلسفه ايا ما كان دينه فهو يتبع اسلوبا وفكره صليبيه تقول بان بدايه انطلاق ونشاه دين هو ارضا ووطن له دون باقي الاديان ويغفل الواقع القوميٍ، وفي مره اخري عندما اراد بعض يهود اوروبا ان يخرجوا من عزلتهم التي فرضوها علي انفسهم ويصنعون لانفسهم وطنا وتوافقت امنياتهم مع المطامع الاستعماريه التي ارادت ان تضع حائلا بشريا في قلب الوطن العربي ليمنع وحده وليظل مجزئا الي الابد فتمت صياغه الفكره الصهيونيه القائله بـ "إن كل من توحدوا دينا لهم الحق في أن يتوحدوا وطنا" وهي فكره يمكن ان يطبقها اليهودي وغير اليهودي اي ان كل من يقول بان الانتماء الي دين بغض النظر عن ذلك الدين يعطي بالضروره حقا في الارض مع تجاهل الواقع القومي يتبع بقصد او بدون الفكره الصهيونيه التي يرفضها كثيرا من اليهود ذاتهم وادت تلك الصهيونيه الي احتلال جزء من الارض العربيه ولا يزال محتلا حتي الان ولن يتحرر الا اذا دافع عنه كل عربي بغض النظر عن دينه كما دافعوا من قبل ، والان نري الكثير من المسلمين يحاربون ويقاتلون باسم الدين وفي حربهم لا يفرقون بين غير المسلم والمسلم وكذلك فحربهم تلك ليست من الدين في شئ كما كانتا كلا من الصليبيه والصهيونيه ليستا من الدين في شئ
http://www.facebook.com/topic.php?topic=15974&post=84210&uid=132365734087#post84210