المحرر موضوع: سنوات وأيام مع جمال عبد الناصر .. (15)  (زيارة 2107 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل المجموعة العربية

  • منتمي
  • *****
  • مشاركة: 2617
سنوات وأيام مع جمال عبد الناصر .. (15)
« في: فبراير 15, 2011, 08:31:06 am »
سنوات وأيام مع جمال عبد الناصر .. (15)
الكتاب الأول

الفنون الثقافة

_ كتب السيد سامي شرف :
في فترة الصبا كتب جمال عبد الناصر روايته الوحيدة “في سبيل الحرية”، ولم تتم الرواية للأسف. ولقد أقيمت فيما بعد مسابقة لإتمامها لكن هذه الرواية تدل على الحس الفني العميق لدى جمال عبد الناصر. ولم يكن مشروع الرواية فقط هو الذي ينبئ عن هذا الحس المبكر، كانت هناك قراءاته التي لم تتوقف عند السياسة والاستراتيجية والتاريخ بل تجاوزتها إلى الأدب. وربما كانت رواية “عودة الروح” لتوفيق الحكيم من أكثر الكتب تأثيراً في وجدان جمال عبد الناصر.

وقبل وبعد الثورة عرف عن جمال عبد الناصر اهتمامه بالثقافة والفن، ولم يذكر في عهده أنه كانت هناك أولوية تسبقهما رغم تسابق الأولويات آنئذٍ.

وكان الناس يعرفون ولع جمال عبد الناصر بمشاهدة الأفلام السينمائية، ولو أنه تمت دراسة عن الأفلام التي شاهدها الرئيس عبد الناصر أو كرّر مشاهدتها لخرجنا بنتائج مهمة.

ولكنني لاحظت إعجابه الشديد بالممثل الكبير “جيمس ستيوارت” وشاهد فيلمه “It is a Wonderfull Life” أكثر من مرة، وكان يرى أن الأفلام التي يقوم ببطولتها تجسد القيم الإنسانية والمثل العليا والروابط العائلية.

وأذكر أنه أبدى إعجابه الأكبر بفيلم “يحيا زاباتا” “Viva Zapatta” للمخرج إيليان كازان وبطولة مارلون براندو وأنتوني كوين وذلك لأنه كان يصور تحرير الفلاحين من عبودية الإقطاع، وكان يحب مشاهدة أفلام بيتر سيلرز ولويس دي فينيس.

وحبّ عبد الناصر للغناء معروف. وعلاقته، حتى على المستوى الشخصي، بأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وغيرهم معروفة.

والذي لا يعرفه الكثيرون ولع الرئيس بالمسرح ولكن الظروف منعته من التردد عليه، فكان يكتفي بإيفاد أحد من الأسرة أو ممن حوله المسرحية ويجلس معه ليتحدث إليه فيها، وقد يكرر هذا مرات كأنه يريد أن يرى المسرحية وهو لم يرها.

ولسنا في حاجة لأن نكرر ما يقوله الجميع عن الازدهار الثقافي والفني في فترة الستينات، وإن كنا نؤكد أن هذه النهضة بدأت منذ الخمسينات.

في هذه الفترة، بلغ المسرح أوجه بكتابات نعمان عاشور ويوسف إدريس وسعد الدين وهبة الذي كان أحد ضباط الشرطة الأكفاء الذين ساندوا ثورة يوليو/ تموز من بداياتها الأولى وتوفيق الحكيم وعبد الرحمن الشرقاوي وغيرهما، وكانت كثير من المسرحيات تنتقد النظام: “الفتى مهران والسلطان الحائر” و”سكة السلامة” وغيرهما.

أيضاً السينما بلغت مستوى راقياً، خاصة بإنشاء معهد السينما. ولقد تحوّل كثير من الإنتاج السينمائي إلى القطاع العام.

وأشير هنا إلى فيلم “ميرامار” الذي تهكم على الاتحاد الاشتراكي العربي، و”شيء من الخوف” الذي طعن في شرعية الثورة، و”المتمردون” الذي دعا إلى ثورة أخرى، وأيضاً أفلام “القضية 68” و”الناس اللي جوة” و”الاختيار” وغيرها.

باختصار شديد كانت الفترة ثرية بالإنجازات الثقافية والفنية، فلقد كانت الثورة تعرف أن الصراع السياسي والبناء الاقتصادي لا بد لهما من روح قوية، وهذه الروح لا يمكن بناؤها إلا بالفن والثقافة.

إن عبد الناصر هو الذي فكّر واقترح وقرّر الإنجازات التالية على وجه التحديد:

إذاعة القرآن الكريم، وأن يقتصر دورها على إذاعة آيات الذكر الحكيم فقط.

إذاعة أم كلثوم.

إنشاء معهد الباليه والكونسرفاتوار (الملحق الوثائقي).

إذاعة صوت العرب.

إذاعة البرنامج الثاني ليذيع روائع الفن العالمي من أعمال موسيقية وأدبية.. إلخ.

إذاعة الشرق الأوسط بطابعها الخفيف السريع.

بدء الإرسال التلفزيوني في مصر في بداية الستينات رغم الصعوبات الفنية والسياسية التي أبديت في ذلك الحين للحيلولة دون تنفيذ هذا القرار.

إنشاء وكالة أنباء الشرق الأوسط.

إصدار كتاب كل أربع وعشرين ساعة ثم كل ست ساعات على أن يكون سعره قروشاً قليلة وفي متناول أي شخص.

إنشاء مصلحة الاستعلامات.


_ كتب السيد سامي شرف :
التعليم
إصدار قانون تطوير الأزهر الشريف (103 لسنة 1961) ليصبح الدعاة متخصصين في مختلف مناحي الحياة اليومية كأطباء ومهندسين ومحاسبين.. إلخ، بالإضافة إلى الدراسة الأساسية في علوم الفقه والتفسير والدعوة.. إلخ.

قرار انتساب البنات لكليات الأزهر الشريف وذلك حتى يتسنى تخريج الأم المسلمة الصالحة. أم الأجيال التي ستتولى مقاليد الأمور في مصر مستقبلاً.

_ كتب السيد سامي شرف :
أعود إلى سياق الحديث بعد هذه الجملة الاعتراضية الطويلة فأقول إن عبد الناصر كان كثير الاهتمام والمتابعة لكل إنتاج وعروض فرقة رضا وفرقة الفنون الشعبية والمسرح القومي وهي المؤسسات التي قام بتشجيعها ودعمها بكل الإمكانات عن طريق وزارة الثقافة وأجهزتها. وكان يحلم بعد قيام معهدي الكونسرفاتوار والباليه أن ترقى فنون الغناء بكل أنواعه وأشكاله خاصة الكلاسيكية منها باعتبارها المدخل الصحيح للذوق الرفيع والتذوق الراقي لباقي أنواع الفنون الأخرى، وإن كان هذا لم يمنعه بشكل خاص من أم كلثوم باعتبارها ثروة قومية ليس لها مثيل في التاريخ الحديث على مستوى العالم العربي، كما كان معجباً أيضاً بمحمد عبد الوهاب وكان أحد أحلامه الذي تحقق أخيراً في 1964 أن يجتمع هذان القطبان في عمل مشترك يجسد الأصالة والعظمة للفن المصري والعربي. وكانت البداية في “انت عمري”. وقد كانت لها قصة أخذت من الوقت والجهد والإصرار من جانب عبد الناصر، كما شُرفت أن أشارك فيه بنفسي معهما حتى يتحقق هذا الحلم. وفي الحقيقة فإنني قد فاتحت محمد عبد الوهاب سنة 1963 بناء على مكالمة بيني وبين عبد الناصر الذي قال لي: “اعرض على عبد الوهاب أن يلتقي مع أم كلثوم في عمل مشترك”، ثم في الوقت نفسه نبهني ألا أضغط عليه لأن مثل هذه الأمور لا تولد بالرغبات أو بالتعليمات، ولكن تنبع من ذاتهما بقناعتهما الشخصية، وأذكر أنني عندما فاتحت عبد الوهاب في هذه الفكرة أن قال لي: “هذه الفكرة قد تنجح وقد تفشل.. وأنا أحلم بها فعلاً، وفي نفس الوقت آمل أن يجيء هذا اليوم الذي ألتقي فيه مع ثومة”.

ولما نقلت رأي عبد الوهاب للرئيس، قام بمفاتحته هو وأم كلثوم في عيد العلم سنة 1963 وقال لهما: “إمتى حانسمع لك لحن تغنّيه الست؟” وكان ردّ عبد الوهاب: “حاضر يا سيادة الريس”. كما كان ردّ أم كلثوم: “يا ريس أنا مستعدة وجاهزة أغني أي لحن لمحمد”. وكانت “انت عمري”، والتي تبعها بعد ذلك لمدة عشر سنوات روائع أخرى أسهم فيها هذان العملاقان.

ولقد كان تعليق عبد الناصر على لقاء العملاقين: “لقد استطاع فن محمد عبد الوهاب وفن أم كلثوم ان يجمع العرب من المحيط الى الخليج”.

كانت علاقة أم كلثوم بعبد الناصر منذ قيام الثورة علاقة قوية وكانت تتردد على منشية البكري في أي وقت وفي كثير من الأحيان بلا مواعيد تلتقي بالعائلة او بأي أحد منا، تتصل تليفونياً لتعرض رأياً او فكرة او مشكلة او نقد قد يعن لها ان ينقل للرئيس بلا حساسيات.

ولعل الكثيرين لا يعلمون ان أم كلثوم قد أدت أغنية يوم 10 يونيو/ حزيران 1967 بعنوان “ابقى” وسمّاها البعض “حبيب الشعب” وهي من تأليف صالح جودت وتلحين رياض السنباطي ولدي شريط خاص بتسجيل هذه الأغنية تم في صالون منزل أم كلثوم في هذه الليلة. كما اني احتفظ بشريط آخر لأم كلثوم يسجل لها أغنية “رسالة الى الزعيم”، تم تسجيلها بعد رحيل عبد الناصر وهي من تأليف نزار قباني ومن تلحين رياض السنباطي.

وبالمناسبة فإن أم كلثوم قد قدمت أغنية “باسم مين يا خارجين”، وذلك في أوائل شهر اكتوبر/ تشرين الأول سنة 1961 وبالذات يومي 3 و4 اكتوبر/ تشرين الأول، عقب الحركة الانفصالية بين مصر وسوريا والتي كان من كلماتها: “باسم مين يا خارجين ع الشعب قمتم باسم مين؟.. باسم “اسرائيل” والاستعمار؟ ولا باسم المأجورين.. ولا باسم الشعب والشعب منكم بريء.. ده مستحيل تفريق قلوب المولى جمعها في طريق..”.

مساء أحد الأيام من العام 1961 بلا موعد مسبق أبلغني محمد السعيد سكرتيري الخاص ان الست وصلت وانها تجلس في الصالون الملحق بمكتبي، فقمت وتوجهت الى الصالون لأجد أم كلثوم تجلس وبيدها مروحة كانت الابتسامة الهادئة على وجه الست عندما جلست الى جوارها وبادرتني قائلة:

أنا آسفة يا أستاذ سامي اني جيت من دون موعد ولكنك انت الليل قلت لي من قبل ان مافيش مواعيد بيني وبينك واني أقدر أقابلك.

فقلت لها: يا ست وأنا ما زلت عند كلامي وأنا تحت أمرك.

فقالت: يا سيدي، محمد الدسوقي عايز منك خدمة، وانت طبعاً عارف وضعه في الشركة.

فقلت: محمد حسب علمي ماشي كويس وما فيش أي شكوى منه خالص.

فقالت: ما هو علشان هو ماشي كويس أنا باترجاك انك تتكلم مع الوزير بتاعه ليرقيه. فقمت ورفعت سماعة التليفون وطلبت الدكتور عبد العزيز حجازي وزير الخزانة في ذلك الوقت واستفسرت منه في حضور الست عن وضع محمد الدسوقي، فقال لي: انه من العناصر الشابة الواعدة، فلما استفسرت منه عن امكانية ترقيته، قال لي: انه من جانبه لا اعتراض على الترقية بل انه يؤيد ترقيته، ولكن المشكلة انه ليس هناك بند في الميزانية يسمح بتنفيذها، شكرته وأنهيت المكالمة.

اندهشت الست لإنهائي المكالمة دون الوصول الى قرار او مجادلة بيني وبين الدكتور حجازي، فقلت لها: ان حل مشكلة محمد الدسوقي ليس في قدرة الوزير ولكن تحتاج لقرار من الرئيس لكي يتجاوز الوزير أحد بنود الميزانية لتتم ترقية محمد، وقلت للست اني سأعرض الأمر على الرئيس وسأبلغها بما ينتهي اليه قراره، وفي تلك اللحظة أنارت اللمبة الحمراء بما يفيد ان الرئيس على الجانب الآخر من الخط التليفوني المباشر بينه وبيني فقلت: أفندم.. قال الرئيس: فيه عندك حد يا سامي؟ فقلت ايوه يا فندم عندي الست! فطلب التحدث معها، وبعد الاطمئنان على صحتها وأحوالها أبلغته بالموضوع فقال لها الرئيس: طيب اديني سامي.. وأمرني الرئيس بالاتفاق مع حجازي على تسوية موضوع ترقية محمد الدسوقي. وقمت من فوري وأمام أم كلثوم بالاتصال به، وأبلغته بأوامر الرئيس وتمت ترقية محمد الدسوقي.

وبعد نكسة 1967 وعندما قررت أم كلثوم المساهمة بدور ايجابي لدعم المجهود الحربي والقيام بزيارات للخارج لإقامة حفلات يكون دخلها أحد أركان المساهمة في هذا المجهود، قرر الرئيس جمال عبد الناصر ان تُمنح أم كلثوم جواز سفر دبلوماسياً، وكانت سابقة لم تحدث من قبل في تاريخ مصر، ولم تتكرر حسب علمي. وقد قمت بإبلاغ هذا القرار محمود رياض الذي كلف إدارة المراسم في وزارة الخارجية بالتوجه الى منزل أم كلثوم لتسليمها جواز السفر. وعندما اتصلت في الوقت نفسه بأم كلثوم لإبلاغها بهذا القرار، احتبس صوتها تأثراً وهي تشكرني ازاء هذه اللفتة من الرئيس عبد الناصر.

أما عبد الوهاب فإن علاقته بعبد الناصر بدأت مع قيام الثورة وقد قام بعد لقائه الأول معه ان غنى: “كانت الدنيا ظلاماً وهو يهدي بخطاه الحائرينا” للشاعر محمود حسن اسماعيل. ولعلنا كلنا نذكر مقولة محمد عبد الوهاب:

“في عيد الثورة سنة 1954 غنيت في حفل عام بعد انقطاع طويل عن الغناء في الحفلات، لكن بعد ذلك قويت العلاقة كثيراً بيني وبين جمال عبد الناصر وأحبني كثيراً جداً وأحببته كثيراً جداً”. وقد ترجم عبد الوهاب حبه لوطنه وايمانه بعروبته في الكثير من الأغاني والأناشيد التي لا تحصى ويكفي ان أقول انه في سنة 1967 تصادف ان كان عبد الوهاب في بيروت وحالت ظروف الحرب دون ان يعود الى القاهرة، إلا انه أبى إلا ان يدلي بصوته فيما حدث حيث قام مع الأخوين رحباني بتلحين وتوزيع:

“طول ما أملي معايا وفي إيديا سلاحي..”.

وفي أحد أيام صيف سنة 1963 اتصل بي تليفونياً الفنان محمد عبد الوهاب طالباً لقائي، ولما عرضت عليه أن أتوجه أنا إليه للقائه في منزله أصر هو على أن يحضر بنفسه إلي في مكتبي.

وبرقّة متناهية وحساسية مرهفة تحدث في حيرة وقلق وبصوت خفيض عن مسألة تعرض لها قبل ثلاثة شهور، ولا يعرف كيف يقوم بحلها لحساسيتها وعدم رغبته في خلق مشكلات يرى انه هو ونحن في غنى عنها.

ولما استوضحته الأمر قال: “كل ما أريده الآن هو ان يكون الرئيس جمال عبد الناصر على علم فقط بما حدث”، فلما ألححت عليه في معرفة تفاصيل ما يقلقه حكى القصة وتتلخص في ان أحد المسؤولين سمّاه زاره دون موعد سابق وقال له: “أنا عارف أنه يوجد عندك أشرطة نادرة لم تذع من قبل وتحوي أغاني ودندنة خاصة بك لمقطوعات قديمة وجديدة ومشاريع ألحان لم تر النور بعد.. فهل يمكنني أن أسمعها”؟. فقال له عبد الوهاب: “بالطبع وبكل سرور.. اتفضل اسمعها”.

فقال له زائره: “لا.. أنا عايز آخدها وأسمعها في بيتي..”.

وأسقط في يد الرجل المهذب الذي أذعن دون مناقشة وأعطاه التسجيلات النادرة.

ويستطرد الاستاذ عبد الوهاب قائلاً: “ودولقت مرت شهور ثلاثة ولم أسمع من هذا المسؤول كلمة، ولم ترد لي هذه التسجيلات، وكل ما أريده هو ان تكونوا على علم بما حدث فقط”.

وعدت الرجل خيراً، ولم أتردد في ابلاغ الرئيس جمال عبد الناصر بتفاصيل ما دار في هذه المقابلة.. وكان رد فعل الرئيس هو الغضب.

استدعى الرئيس جمال عبد الناصر المسؤول واستفسر منه عن هذه الواقعة فلم ينكرها، فطلب منه أن يقوم من فوره ليحضر هذه التسجيلات الآن، فأحضرها.

سلمني الرئيس هذه التسجيلات وكلفني بأن أزور عبد الوهاب لأعيدها إليه، مع نصيحة من الرئيس بألا يفرط في مثل هذه الثروة القومية مرة أخرى.

طلبت الاستاذ محمد عبد الوهاب لأحدد موعداً للقائه وأبلغته بأن لدي أنباء سارة، فما كان منه إلا قال لي: “حط السماعة يا استاذ سامي وأنا جاي لك حالاً”. وحاولت للمرة الثانية ألا يفعل ذلك إلا انه وضعني أمام الأمر الواقع قائلاً: “أنا حا أحط السماعة بعد إذنك”.

سلمت الأمانة للرجل، وأبلغته بناء على تكليف الرئيس جمال عبد الناصر ان يلتقي قمتا الفن في مصر والعالم العربي في عمل مشترك، اضغط عليه عند إبداء هذه الرغبة، إلا انه عندما بدأت في عرض الفكرة عليه بادرني بقوله: “إن هذا المشروع قد ينجح، وقد يفشل”، ولكنه أكد انه يأمل ويحلم بهذا اليوم فعلاً.

أما عبد الحليم حافظ فقد كان يجسد شباب وأحلام وطموحات ثورة يوليو في فنه وتعبيره سواء في أغانيه الوطنية أو العاطفية.. عبد الحليم كان يحضر إلي في مكتبي من دون موعد، كما كنا كثيراً ما نلتقي في عيادة الدكتور زكي سويدان سواء باتفاق أو من دونه. وكان عبد الحليم يتصل بي تليفونياً في بعض الأحيان بعد الثالثة صباحاً ليعرض فكرة أو يقرأ لي كلمات أغنية جديدة بلا حساسيات، وكان يعتبر نفسه أحد أفراد “كتيبة منشية البكري” كما كان يحب ان يصفنا.. وفي الصيف وبالذات خلال شهر اغسطس/آب من كل عام يمر عليّ في منزلي بالاسكندرية حيث كنت أؤجر شقة في عمارة الألفي بسيدي بشر، وكان يقيم في نفس العمارة الفنان الصديق كمال الطويل، عبد الحليم كان إنساناً رقيقاً في كل شيء.. في كلامه وتعليقاته.. وفي ملبسه وفي غنائه.. وحتى عندما كان يتوسط لأي شخص في مطلب أو لحل مشكلة ما فقد كان رقيقاً. وأذكر بهذه المناسبة أنه كان قد توسط لدي لكي أقابل مفيد فوزي، عندما أوقف عن العمل الصحافي، وقابلته فعلاً وعندما عرضت على الرئيس نتيجة المقابلة أمر بأن يلغي قرار الإيقاف ليعود إلى عمله الصحافي، وقمت بتبليغ قرار الرئيس لعبد القادر حاتم، وتصادف ان كان محمد حسنين هيكل موجوداً في مكتبي في ذلك اليوم وعرف بالقرار فقام من جانبه وسارع بإبلاغ مفيد فوزي به.

تعقيب :
{بالرغم من هدوء النصوص هنا , وإنسانيتها , لا بد وان يحضرنا سؤال ملّح :
بعد رحيل الرئيس الإنسان , أين ذهبت ذكراه في أعمال وأحاديث وذكريات هذه القمم المصرية الخالدة , التي احتضنها , واحتضنتها الثورة والدولة ..!!}

..