المحرر موضوع: نقش النمارة العربي النبطي (328م)  (زيارة 1056 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل المجموعة العربية

  • منتمي
  • *****
  • مشاركة: 2555
نقش النمارة العربي النبطي (328م)
« في: ديسمبر 10, 2012, 08:52:17 am »
نشرت هذه الدراسة لاول مرة في نهاية عام 2011كفصل من فصول كتاب بالانكليزية بعنوان:
DeArabizing Arabia: Tracing Western Scholarship on the History of the Arabs and Arabic Language and Script (ISBN:978-0-9849843-0-5)
الفصل الثالث
نقش النمارة العربي النبطي (328م)
3.1 مقدمة
يعد نقش النمارة المثير للجدل من اكثر النقوش العربية السابقة للاسلام اهمية على الاطلاق. اذ هو اقدم نقش نبطي عربي مكتشف مدون بلغة مشابهة تماما للعربية الفصحى من مجموعة تضم ثلاثة نقوش حجرية اخرى فقط، وجميعها كُتب بحروف نبطيه متصلة قريبة الشبه لحروف العربية المعاصرة.
وقد ذهب معظم المستشرقين الى ان نقش النمارة الذي يعود لعام 328 م يعد دليلا قاطعا على ان الكتابة العربية الحديثة كانت قد تطورت من الكتابة النبطية المتأخرة لتشابهما في رسم الخطوط ووصل الحروف. الا ان ابرز علماء الحضارة العربية الاسلامية المتقدمين ( الذين لا تفصلهم عن تاريخ كتابة هذا النقش الا بضعة قرون) اعتقدو على صواب ان الخط العربي الحديث كان قد اُخذ عن خط المسند العربي. وقد اعتبر المؤرخون نقش النمارة ايضا موردا تاريخيا مفعما بالاحداث لاحدى ابرز الممالك العربية التي استوطنت العراق الحديث قبل الاسلام وهي المملكة اللخميية في الحيرة (المناذرة). وبالرغم من مرور ما يقرب من القرن على اكتشاف نقش النمارة عام 1901م وتناول المؤرخين نصه بالترجمة والتحليل الا انه لا يزال موضع تساؤل وجدل كبيرين حتى يومنا هذا.
حجر نقش النمارة حسب الاعتقاد السائد اليوم كان شاهد قبر ثاني ملوك العرب في الحيرة واشهرهم على الاطلاق، امرؤ القيس بن عمرو. وهذه الفرضية هي خلاصة اعمال مكتشف الحجر، عالم الاثار الفرنسي دوسو، وقد كان اول من تناوله بالدراسة والتحليل. الا ان استنتاجه اعلاه جاء نتيجة لقراءة مبنية على خطأ مؤسف في كتب قواعد اللغة العربية الحديثة، من بين اخطاء عديدة اخرى، مما ادى بالنتيجة الى فشل تام في ترجمة اهم ما نص عليه هذا النقش واعني السطر الاول منه. ومما زاد في الطين بلة ان معظم باحثي القرن الماضي لم يتبع السياق المفترض في التمحيص والتدقيق واكتفو بتبني قراءة دوسو هذه كحقيقة علمية لا تقبل الجدل، بالرغم من تناقضها الصارخ مع قواعد النحو العربي والحقائق الجغرافية والتاريخ الموثّقة لفترة ما قبل الاسلام.
وكباحث مجتهد اثرت في كتابي هذا ان اعيد قراءة نص النمارة نبطيا وعربيا. ولكني، وفي خضم بحثي وقراءتي، وجدت نفسي مضطرا ايضا الى اعادة قراءة نص نقش ام الجمال النبطي (أو نقش ام الجمال الاول) فكلاهما ينتميان الى حقبة زمنية واحدة ويحتويان على حقائق تاريخية مترابطة، هذا بالاضافة الى التشابه بين مفرداتهما وطبيعة نصيهما. ومن اجل ان يكون عملي مستوفيا لشروط البحث العلمي الرصين كان لزاما عليّ ايضا ان استقصي الاستخدامات اللغوية للكلمات في نقوش اخرى كنقش رقوش ونصوص خط المسند العربي وكتابات تدمر وغيرها كثير.
بعد تحليلي لنص النمارة، معتمدا اساليب البحث القويم في التمحيص والتدقيق ومستعينا بادوات اللغة العربية نفسها، سأثبت للقارئ بما لا يقبل الشك ان حجر النمارة لم يكن شاهد ضريح امرؤ القيس بن عمرو ولم يعنيه شخصيا، وانما كان قد كتب على الارجح بعد عدة سنوات من وفاته لتسجيل الانجازات الحربية لشخص غير معروف تأريخيا واسمه عكدي. قد يكون هذا الرجل احد الفرسان البارزين في جيش امرؤ القيس او احد سادات القبائل المتحالفة مع دولة الروم او ربما هو احد جنود الشرف في القوات الرومانية البيزنطينية نفسها. اذ تبين لي ان مستهل نص النمارة هو عبارة قسم او اداء يمين لروح امرؤ القيس، لعظمة شأنه وعلو قدره. وهذا الاستخدام اللغوي مشابه لاستخدام العرب والمسلمين منذ القرن السابع الميلادي للبسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) في استهلال كلامهم، كتوكيد على قدسية الخالق وسمو جلاله. اما الفقرة الرئيسية لهذا النص فقد تحدثت عن الهزيمة المريرة التي تكبدتها قبيلة مذحج احدى قبائل جنوب جزيرة العرب على ايدي مقاتلي عكدي والتي ادت بالنتيجة الى خضوع جزء من بلاد اليمن لسلطان الدولة البزنطينية. واخيرا سجلت خاتمة النص نعيا مشرفا لهذا المقاتل عكدي الذي وافته المنية، ربما في تلك المعركة، ودعت والديه الى الابتهاج والشعور بالفخر بمآثر ابنهم الشجاع، جريا على العادة المتأصلة تأريخيا في تقاليد الامم عند تأبين جنودها.
ان غايتي من اعادة قراءة نقشي النمارة وام الجمال هو حث الباحثين في هذا المجال على التعامل مع الترجمة السائدة اليوم لنص النمارة على انها ترجمة غير نهائية. فهي دعوة لهم لاستخدام بصيرتهم النافذة عند البحث والاستقصاء لقراءة هذا النص. وكلي امل ان تعكف كتب التاريخ وادارة متحف اللوفر الذي يضم هذا النقش بين مقتنياته، عن الاشارة بشكل قطعي الى ان صخرة النمارة كانت شاهدة قبر امرؤ القيس بن عمرو. كما يحدوني الأمل ايضا ان تقوم كتب التأريخ باصلاح الاخطاء الفادحة الواردة في قراءة المستشرقين السائدة لنقش ام الجمال النبطي والذي عاصر نقش النمارة. ولاغناء مفردات لغة العرب، أأمل ان يتدارك، اخيرا،  ناشري كتب النحو والصرف في اللغة العربية خطأ شائعا في تصانيف اسماء الاشارة للمونث المفرد عند الرجوع لتفاسير الفية ابن مالك الشعرية.
يمكنني القول بيقين لا يشوبه التردد بان قراءتي غير المسبوقة لنص نقش النمارة ستضيف الى اهمية النص الكثير لغويا وتأريخيا وستثبت بشكل قاطع اننا امام نص كتبت مفرداته بعربية فصحى واضحة ذات جذور راسخة متاصلة في ارض جزيرة العرب لقرون طويلة قبل الاسلام وقبل قدوم القرآن الكريم. وهذا ما يدحض تماما ادعاء عموم المستشرقين من ان العربية الفصحى لغة مستحدثة جلبها القرآن الكريم او ادعاء بعضهم بانها لفقت في عهد الخلافة العباسية.
للوصول الى دراسة مستفيضة لنقش معقد كنقش النمارة ، عزمت على اتباع منهجا دقيقا ومنظما يشتمل على تجزئة دراستي الى اقسام مناسبة وفقا للمواضيع الرئيسية المطروحة للبحث ليكن ذلك تمهيدا لقراءة النقش بشمولية اكبر. كما هيأت للقارئ الكريم مخطوطات ورسوم مفصلة تساعده في تكوين صورة متكاملة عن الموضوع المعني في الدراسة.
3.2 نبذة تاريخية وجغرافية موجزة
من الصعب دراسة النقوش التأريخية النبطية، كنقشي ام الجمال والنمارة، بالدقة المطلوبة، دون وضعها ضمن سياق الحقائق التأريخية والجغرافية السائدة حينذاك خلال القرنين الثاني والثالث الميلادي، وعلى الاخص العقود الاولى من القرن الثالث اثناء تولي الملك امرؤ القيس بن عمرو مقاليد الحكم في مملكة الحيرة. وقد اطلقت العرب لاحقا على هذا الملك الذي ورد ذكره في السطر الاول من نقش النمارة اسم امرؤ القيس البدء، اي الاول. وتقع مدينة الحيرة حوالي 30  ميلا الى الجنوب من مدينة بابل الذائعة الصيت في بلاد ما بين النهرين وقد احتلها الفرس قبل تأريخ النقش بحوالي خمسة قرون.
ولحسن الحظ فان نقش النمارة كان قد احتوى على تاريخ بالغ الدقة بما يمكننا من التحقق من صحته بسهولة عبر مقارنته مع المدونات المتبقية للقوى الرئيسية الثلاث المؤثرة انذاك في مجرى الاحداث في جزيرة العرب، واعني بها: الروم البيزنطينيون والفرس الساسانيون وعرب اليمن. اذ وبالرغم من بروز العديد من الممالك التي حكمتها سلالات عربية في ذلك الحين الا انها لم تكن جميعا ذات شأن يذكر بسبب ضعف سلطانها وخضوعها التام لحكم الفرس او الروم المنهمكين في صراع دائم من اجل الاستحواذ على مقاطعات جديدة في جزيرة العرب. فبعد ان خسر العرب النبطيون مملكتهم لصالح الروم عام 150م وفقدت مدينة البتراء اهميتها، اصبحت ممالك اليمن القوى العربية الرئيسية المتحدية لسلطان الروم. وهذا مما اضطر ملوك اليمن احيانا الى عقد اواصر صداقة وتحالف مع الفرس الساسانيين لحماية اراضيهم من الغزوات المتكررة للروم البيزنطينيين. (6)(30)
وبحسب رواية الاخباريين المسلمين فان عمرو بن عدي والد الملك امرؤ القيس البدء هو اول من اختار الحيرة عاصمة لمملكة بني لخم، السلالة العربية ذات الاصول اليمنية التي اطلق عليها العرب لاحقا اسم المناذرة. ففي القرن الاول الميلادي، وبعد حادثة انهيار سد مأرب، بدأت موجة جديدة، استمرت لقرون، من موجات هجرة القبائل اليمنية شمالا وانتشارها في انحاء جزيرة العرب. وقد اسست هذه القبائل في ما بينها تحالفا عشائريا اطلق عليه المؤرخون اسم تحالف تنوخ وكان مالك بن ماهر اول قادته. وامتد سلطان تنوخ من عُمان جنوبا الى الحيرة والصحراء السورية قرب دمشق شمالا وشمل نفوذها جميع منافذ الضفة الغربية لخليج فارس، والمعروف في التأريخ الاسلامي باسم خليج البصرة. وقد ربط علماء الحضارة العربية الاسلامية بين تنوخ ولخم وبين قبائل معد اليمنية القوية.
بالرغم من ان قادة او ملوك تنوخ الثلاث الذين سبقوا عمرو بن عدي كانو قد اتخذوا عاصمتهم في البحرين او اليمن الا انهم كانوا على علاقة وثيقة بمدينة الحيرة وكانوا يحلون فيها بانتظام. خاصة بعد ان نزح معظم سكانها الاصليين شمالا الى منطقة الانبار وبقيت خرابا حتى تعميرها على يد عمرو بن عدي الذي اتخذها عاصمة لمملكته. (14) (20)
كان والد عمرو بن عدي رجل من عرب الشمال وكانت والدته شقيقة جذيمة الابرش مؤسس سلالة مملكة تنوخ واول من اعلن نفسه ملك فيها. وقد حافظ جذيمة الابرش طوال سنين حكمه على علاقة طيبة مع جيرانه من الفرس الساسانيين وعاصر من ملوكهم شابور بن بابك (220-241 م) ابن الكاهن الزرادشتي بابك ومؤسس الامبراطورية الساسانية التي تلت الامبراطورية البارثية. (15)
وعلى ما يبدو من استقراء المصادرالتأريخية ان جذيمة الابرش وهو ينتسب الى السلالات العربية في اليمن كان قد وافق على زواج شقيقته من رجل من عرب الشمال في الحيرة وذلك لعقد صلة رحم ومصاهرة قوية مع القبائل الشمالية، وهذا ليس بالغريب في مجتمع القبائل العربية التي اعتادت اتباع هذا التقليد. سنرى لاحقا ان كلمتي تنوخ وجذيمة كانتا قد وردتا في نقش ام الجمال النبطي الذي عثر عليه في جنوب مدينة دمشق ايضا والذي يعود تاريخه الى عام 250م. وقد نقلت لنا المصادر ان الملك عمرو بن عدي اغتنم فرصة ضعف الامبراطورية الساسانية بعد وفاة الامبراطور شابور بن بابك لتوسيع نفوذ مملكته في بلاد ما بين النهرين ذات الاغلبية العربية انذاك، والتي كانت تحت حكم الساسانيين لبضعة قرون، وذلك بالتحالف مع الروم البيزنطيين والقبائل العربية المتاخمة لمدينة الحيرة. ففي خطوة غير مسبوقة وعلى عكس من سبقه في مملكة تنوخ ذات الاصول اليمنية والمتحالفة غالبا مع الفرس، تحالف عمرو بن عدي مع الروم ليبدأ بهذا عهدا جديدا في توزيع القوى والتحالفات السياسية في جزيرة العرب. (20)(30)
بعد وفاة عمرو بن عدي عام 288م تولى ابنه الملك امرؤ القيس بن عمرو مقاليد الحكم وقرر ان يواصل فتوحات والده الى حدود ابعد. حيث استطاع ان يبسط نفوذ مملتكه في معظم اراضي الجزيرة العربية الخاضعة لسيطرة الفرس الساسانيين، ولم يكتفي بهذا القدر فقط بل عبر خليج فارس انذاك ليغزو قلب الامبراطورية الساسانية، منتهزا فرصة الصراع  الدائر بين افراد العائلة المالكة فيها. وبذا يمكننا القول انه احد اوائل قادة العرب ممن سعى بجدية  لتوحيد اطراف الجزيرة العربية تحت ظل مملكة واحدة متحديا سلطان كلتا القوتين، الروم والفرس، في ان واحد. فلا غرابة  اذن ان اعتبرته العرب قبل الاسلام قائدها الاكثر اجلالا ووقارا وتسمت بأسمه الاجيال اللاحقة. وقد نقلت لنا مصادر الشعر الكثير عن تلك الحقبة. فمن المعروف ان الشعر مورد هام في توثيق الاحداث والاخبار التي تخص تأريخ القبائل العربية وحروبها. وكلمات الشعر تبقى عالقة في ذاكرة الرواة وتتناقلها الالسن عبر القرون في كل حدب وصوب. وبفضل الشعر القديم حصلنا على الكثير من الاخبار التي تتحدث عن غزوات عديدة قامت بها القبائل العربية على مواقع الفرس في بلاد العراق.
ونتيجة لنجاحات امرؤ القيس في غزواته المدعومة من قبل الروم، يخبرنا التأريخ ايضا عن صفقة تمت عام 298م بين الروم والفرس، تنازلت وفقها امبراطورية فارس عن بعض مقاطعاتها في العراق لصالح الروم. ولكن وبرغم نجاح الملك امرؤ القيس في ضم معظم اطراف الجزيرة تحت سلطاه الا انه فشل في اخضاع ممالك اليمن القوية في الجنوب ومثلها مملكة الغساسنة الواقعة تحت حماية دولة الروم في بلاد الشام.
بعد عقد من تأريخ هذة الصفقة، استلم الحكم في امبراطورية الساسانيين الفارسية ملك ذو بأس وشدة وهو شابور الثاني الملقب بذي الاكتاف. وقد ذكرت بعض كتب التأريخ انه دأب على ثقب اكتاف اسراه من العرب لربطهم مع بعض. وقد بذل هذا الملك وسعه لاستعادة ما فقدته امبراطورية فارس الساسانية في سنوات حكم سابقيه لصالح الروم او لصالح حلفائهم العرب. وقد قيل انه كان قد استولى على الحيرة بعد قتال ضارعام 323م، وذلك التأريخ يسبق بثلاث سنوات فقط التأريخ المذكور في نقش النمارة، ولم تشر المصادر التأريخية ان كان امرؤ القيس قد هرب او بقي على قيد الحياة بعد هذا النزال. (14)(15) ولكن وبعد اكتشاف نقش النمارة حديثا،  وبعد قراءة دوسو لنصه فقط ، ادعت مصادر التأريخ الحديثة ان امرؤ القيس كان قد نجا من معركة الحيرة وربما التجأ الى بلاد الشام تحت حماية الروم، ليوافيه الاجل في مدينة بصرى في السابع من ايلول من سنة 223 من تقويم بصرى الموافق 328 ميلادي، وهو التاريخ المذكور في نقش النمارة.
وبما اننا لا نملك اي نص يشير اشارة صريحة الى الرواية الانفة الذكر الا قراءة المستشرق الفرنسي دوسو لنص نقش النمارة. وبما ان قراءتي لفقرة السطرين الاولين من هذا النقش بينت انها كانت جملة قسم وتمجيد لروح الملك امرؤ القيس البدأ، ليس الا. انني اميل الى الاعتقاد بانه كان قد توفي قبل هذا التاريخ وعلى الارجح في معركة الحيرة عام 325 ميلادي.
بعد وفاة امرؤ القيس اصبحت اراضي العرب مسرحا لمعارك ضارية بين الروم والفرس دامت عقودا من الزمن ولم تخفت اوارها قليلا الا في عام 363م بعد توقيع معاهدة سلام وضعت على اثرها ارض العراق تحت نفوذ الفرس. (15) ولكن ونتيجة للغارات التي كان يشنها العرب بانتظام على القوات الساسانية ومواقعها العسكرية  في العراق (330-370م)، سمح الساسانيون لسلالة الملك امرؤ القيس بالعودة الى موطنها في الحيرة وادارة شؤون العرب في مملكتها تحت الحماية الفارسية، حتى وضع العرب المسلمون نهاية الامبراطورية الساسانية في معركة غيرت وجه التاريخ، الا وهي معركة القادسية التي جرت في عام 638م. (14)(30)
اليمن، او كما اسماها العرب بلاد حمير، واحيانا بلاد مذحج او معد، هي موطن اقدم الحضارات والممالك العربية في الجزيرة العربية وقد احتفظت هذه الممالك بكيانات مستقلة بما كانت تتمتع به من قوة وبأس شديدين، وقد كانت قبيلتي مذحج ومعد من ابرز القبائل اليمانية واكثرها عددا وانتشارا. وكانت ممالك اليمن كبقية الممالك العربية في العقود الاولى من القرن الرابع الميلادي هدفا رئيسيا للروم والفرس لما فيها من ثروات وموارد غنية.
وكما ذكرنا اعلاه، فان الملك امرؤ القيس لم ينجح ابدا في اخضاع ممالك اليمن. وفي الحقيقة، فان النصوص التاريخية الواردة عن تاريخ اليمن بحدود عام 300م  تحدثت عن احد اشهر ملوك اليمن، ويدعى شمر يهرعش، وعن تمكنه من بسط نفوذه على معظم مقاطعات اليمن (وبضمنها حضرموت) وقبائلها، موحدا بذلك اليمن ومؤسسا لاحدى اقوى ممالكها القديمة. (6) ولو نظرنا بعين التحليل نرى انه من غير المنطقي ان يتمكن الملك امرؤ القيس البدأ، الذي كان قد خسر مملكته وعاصمتها الحيرة بحدود عام 325 م بعد معركة دامية مع الفرس الساسانيين، من استعادة قوته بعد ثلاثة سنوات ليحقق اكبر انتصاراته العسكرية وذلك باخضاع قبائل مذحج (اي اخضاع اليمن) بحدود تاريخ كتابة نص النمارة عام 328م.
اورد الاخباريين ان الملك شمر يهرعش كان قد حافظ على علاقات وثيقة مع الامبراطورية الساسانية بارساله بعثة دبلوماسية الى بلاط الامبراطور الساساني في عاصمته الصيفية طيسفون، مدينة المدائن التأريخية في العراق. (6) وكان الخوارزمي، العالم والمؤرخ البارز الذي عاش في القرون الاولى للاسلام، قد اسماه “شمر يرعش” او “ابو كرب الافريقي” مما قد يعني انه ينحدرمن اصول افريقية. كما اورد الخوارزمي في كتابه بان الملك شمر كان قد قد لقّب بيرعش لارتعاش كان فيه. ولم تكن هناك اشارة او حركة على حرف الشين من كلمة شمر مما قد يشير الى احتمال ان يكون اسمه اما شِمر، وهو اسم ذكر عربي شائع، او شمّر بتشديد الميم، وهذا اسم لقبيلة عربية شهيرة سكنت شمال نجد من جزيرة العرب. ولكني ارجح الفرضية الاولى.
وذكر الخوارزمي ايضا ان كنية “ذو القرنين” كانت قد اطلقت على الملك شمر يرعش، مخالفا باعتقاده هذا الاعتقاد السائد من ان هذه الكنية كانت كنية الفاتح المقدوني (الاسكندر الكبير). وعد الخوارزمي شمر يرعش الملك العشرين من قائمة ملوك اليمن قبل الاسلام، وذلك في تسلسله بالقدم، فيما عد تسلسل امرؤ القيس البدأ في القدم، الملك الواحد والعشرين من قائمة ملوك الحيرة قبل الاسلام. وهذا يعني حسب اعتقاده ان الملكين كانا قد حكما في فترتين متقاربتين جدا. (14) من الجدير بالاشارة هنا، ان ما ذكره الخوارزمي من تواريخ وعصور تتطابق عموما مع ما اورده المؤرخون المعاصرون. وان دل التزامن الوارد في كتابات الخوارزمي على شئ فانما يدل على ارجحية واضحة من ان حاكم اليمن اثناء كتابة نص النماره كان حقا شمر يرعش نفسه، وان صخرة النمارة المكتشفة حديثا هي شاهدا ماديا على دقة بحوثه.
ورغم ان افتراض وفاة الملك امرؤ القيس البدأ عام 328م هو افتراض وارد الا ان المصادر التأريخية وبضمنها نص النمارة تشير الى حقائق مخالفة تماما. فعلى سبيل المثال فقط، لو كانت صخرة النمارة شاهدة قبر امرؤ القيس البدأ وكانت تتحدث عن انجازاته، لِم لم تتطرق لاي من معاركه مع الفرس الساسانين او معركة الحيرة تحديدا؟ مرة اخرى انني اعتقد جازما بان امرؤ القيس كان قد توفي خلال الاعوام التي تزامنت مع سنوات حكم شابور الثاني وعلى الارجح في عام 325م عند سقوط عاصمته الحيرة على يد الساسانيين. وسنرى لاحقا عند اعادة قراءة نصي النمارة وام الجمال ان تحليلنا التاريخي المختصر اعلاه سيغدو شديد الاهمية لفهم ولقراءة الاحداث والتواريخ والاسماء المذكورة في هذين النصين.

3.3 اعادة قراءة نقش ام الجمال النبطي
كنت قد نوهت سابقا الى ان ثلاث نقوش فقط من بين النقوش النبطية العديدة المكتشفة حتى اليوم كانت قد كتبت بلغة عربية، وذلك وفقا لاعتقاد المستشرقين. ويعتبر نقش النمارة والذي يعود الى العام 328م الاحدث عهدا بين النقوش الثلاث، وقد عثر عليه في احدى ضواحي جنوب دمشق. اما النقشين الاخرين فاولهما نقش ام الجمال النبطي والذي ذكر تحديدا كلمتي جذيمة وتنوخ وكان قد اكتشف في مكان قريب لمكان اكتشاف نقش النمارة، ويرجع تأريخه المقدر من قبل المستشرقين الى العام 260م، وهو تقدير جيد عند مقارنته بالحقائق التاريخية والجغرافية المستعرضة اعلاه. وثانيهما نقش رقوش المكتشف في مدائن صالح، شمال الحجاز، وهي منطقة غير بعيدة، نسبيا، عن دمشق، ويعود تأريخه الى العام 267م. وجميع المناطق المذكورة اعلاه كانت ضمن مناطق نفوذ الانباط. ومما تقدم يظهر لنا ان هذين النقشين اقدم عهدا من نقش النمارة بما يقارب 60 الى 70 عاما مما يجعلهما مصدرين مهمين في بحثي هذا. وكما سنرى لاحقا فان لدراسة النقوش الثلاث مجتمعة اهمية بالغة عند دراسة كل منهم على انفراد.
بدون ادنى شك، كانت كل من صخرتي ام الجمال ورقوش شاهدة قبر، اما صخرة النمارة فيحتمل ان تكون شاهدة قبر لشخص ما او نصب تذكاري لتكريمه (ساعود الى هذا الموضوع فيما بعد). وبخلاف نقش النمارة، تمت كتابة نقشي ام الجمال النبطي ورقوش بلغة تخلط الفصيح بالعامية. وقد كان نقش ام الجمال مقتضبا في نصه بعكس نقش رقوش الذي اسهب بكتابة موزعة على سطور متعددة. ومن ناحية اخرى، فان حروف الكتابة النبطية التي استخدمت في كلا النقشين لم تكن متصلة كليا ولم تتبع بدقة اصول الكتابة العربية المعروفة لوصل الحروف وتباينها حسب موقعها في الكلمة، كما في نقش النمارة. ومع ان كلا النقشين كان قد ابتدأ بكلمة “دنه” الا ان المستشرقين وغيرهم قرأوا هذه الكلمة في نقش رقوش بشكل مختلف بسبب الالتصاق الجزئي لحرف الدال الاولي مع حرف النون الذي يليه مشكلا صيغة محتملة اخرى. اما كلمة “قبرو” والتي كانت قد ذكرت ثلاث مرات في رقوش فقد اتفق الجميع على صحة قراءتها على هذا النحو. غير انهم قرأوا الكلمة ذاتها في نقش ام الجمال على انها الاسم “فهرو” وادعو انه اسم صاحب القبر، وهذا خطأ جلي كما سأبين لاحقا. (11)
الشكل رقم (3.1):  الرسم السائد بالحروف النبطية لنقش رقوش المؤرخ 267م وقد اضيفت اليه الارقام لتسهيل النقاش (يسار)، والى جانبه ترجمة المؤلف المعدلة بالحروف العربية (يمين).
الشكل رقم (3.2):  صورة عالية الجودة لحجر نقش ام الجمال النبطي المؤرخ لحوالي العام 260م والى يسارها صورة مكبرة اخرى لجزءه الايسر التالف نسبيا (اعلى)، وفي الاسفل منهما، الرسم السائد بالحروف النبطية للنقش وتحته ترجمته السائدة بالحروف العربية (يمين) مع رسم المؤلف الجديد بالحروف النبطية وتحته ترجمته بالحروف العربية (يسار).
من المؤسف انني لم اتمكن من مشاهدة ما يكفي من الصور التفصيلة لحجر كلا النقشين. الا انه ولاغراض بحثي هذا، انا اعتقد واثقا ان اعتمادي على الرسم التصويري السائد لنقش رقوش النبطي كان كافيا جدا لاستخدامه كأحد مصادر البحث. ملاحظة تبيه للقارئ: بدون ان اتتبع شخصيا حروف هذا النقش النبطية لا يمكنني تقديم قراءة نبطية موثقة له او ترجمة مفصلة له باللغة العربية المعاصرة.
اما بالنسبة لنقش حجر ام الجمال النبطي، فقد كان تفحصي العميق لصورة عالية الجودة لهذا الحجر كافية تماما لتبيين صحة قراءتي النبطية لكلمات النقش الاساسية. وبناءا على ذلك فقد جهزت القارئ اعلاه بصورة اصلية عالية الجودة لحجر النقش، ووضعت الى جانبها صورة عالية الجودة، مكبرة عبر برنامج فوتوشوب، لجزء زاوية الحجر التالفة نسبيا، والذي قمت بقراءته لاول مرة في هذه الدراسة. كما وضعت في الاسفل من الصورتين، جنبا الى جنب، الرسم النبطي السائد وقراءته العربية السائدة، ورسمي النبطي الجديد مع قراءتي العربية وقراءة ثانية بالعربية المعاصرة. انظر الشكل رقم (3.2). واستنادا على رسمي النبطي الجديد وترجمتي له بالعربية ، يظهر جليا للقارئ حجم الفارق الاساسي بين قراءتي والقراءة السائدة لهذا النقش.
في الشكلين رقم (3.1) ورقم (3.2) يبدو واضحا ان الكلمة الاولى في كلا نقشي رقوش وام الجمال هي كلمة متكونة من ثلاث حروف نبطية: دال، نون، وهاء (تلفظ كتاء مربوطة)، اي “دنه”. وقد اختلف الخبراء على رسم اشكال هذه الحروف النبطية اوعلى قراءتها بالعربية او على كليهما، في نقش رقوش. اذ قرأها البعض “ته” زاعمين انها اسم الاشارة للمفرد المؤنث في اللغة العربية، وهذا لا يمكن ان يكون صحيحا او جائزا لان الكلمة التي تليها “قبرو” هي اسم مذكر. (23) ومال البعض الاخر الى الاعتقاد بان الكلمة الاولى هي اسم الاشارة للمفرد المذكر في اللغة العربية  “ذا” وان كل ما سبق الهاء هو ليس الا شكل اخر من اشكال حرف الذال بالنبطية. ولكن هذه الفرضية تتناقض تماما مع رسم حرف الذال النبطي الاولي ذاته في الكلمة رقم 4 من نفس النقش (انظر الشكل رقم (1))، حيث كتبت الذال كحرف الدال مع نقطة فوقها وتلاها حرف الالف. (11) وهناك من قرأ هذه الكلمة “ذنه” زاعما انها اسم اشارة للمفرد المؤنث بلسان عرب الشمال، الا انني لم اجد اثباتا لذلك.
وبالرغم من اختلاف وجهات النظر الا ان معظم الباحثين اتفقوا على قراءة الكلمة رقم 1 في كلا النقشين “دنه” وهي كلمة تواتر استعمالها في المخطوطات النبطية الصرفة.  وقد قُرأت هذه الكلمة من قبل غالبية المستشرقين على انها اسم اشارة للمفرد المذكر باللغة الارامية.  ورغم اتفاقي معهم على ان رسم الكلمة بالنبطية هو “دنه”، ولكنني قرأتها “ادناه”، وهذه كلمة عربية فصيحة تستخدم بكثرة للاشارة الى شئ (او حتى نص كتابي) قريب وواقع عموما تحت المستوى الافقي للبصر. حيث كتبت باسقاط حرف الالف (اوهمزة الوصل) من بداية الكلمة وحذف حرف الالف الواقعة بين النون والهاء في وسط الكلمة، وهذا يتوافق تماما مع اسلوب كتابة جميع النقوش العربية والنبطية العائدة لتلك الحقبة، ومع اسلوب كتابة المخطوطات العربية حتى القرن التاسع الميلادي. من المحتمل ايضا، ان الكلمة كانت تُلفظ “دناه” باللهجة النبطية المحلية، ولذا كتبت بحذف حرف الالف الاول، وهذا ليس بالغريب ولا الجديد، فمعظم النقوش وبضمنها رقوش كانت قد استخدمت الكثير من الفاظ اللهجات المحلية لا سيما “بر” عوضا عن “بن” و”عبذ” بدلا من “عبد”.
وتستعمل الكلمة العربية “ادناه”، المستخدمة على نطاق واسع في وقتنا الراهن، لاغراض “الاشارة الى القرب”، “الاشارة الى ماهو تحت مستوى النظر”، او “الاشارة الى ماهو  لاحقا الى الاسفل من الحالي”. فنقول “ادناه” بمعنى انظر بالقرب منك او دونك او ركز في اسفل شئ ما مثل توقيع او حاشية في اسفل صفحة كما في قولنا “الموقّع ادناه”. ومن الجائز استخدام “ادناه” بشكل مؤثر كضمير اشارة محايد لكلا الجنسين بمعنى “هنا” او “ها هنا”. وعند بحثي في المراجع العربية القديمة عن استخدامات هذه الكلمة، تحيّرت في اخفاقي  بالعثور على اي دليل موثق لاستعمالها بهذا السياق، وبافتراض ان قراءتي لهذه الكلمة في النقوش العربية النبطية صحيح، وانا واثق من ذلك، سيكون هذان النقشان من اقدم مراجع النصوص العربية الموثقة باستخدامها اللغوي لهذه الكلمة وبهذا النمط. وجذر كلمة “ادناه” هو الفعل  ”دنا”، وهو فعل عربي تقليدي يعني تقرّبَ جسديا من شئ ما او من شخص ما، وقد ذكر في العديد المصادر التأريخية. (13) ومن الامثلة على استخداماته التأريخية، الاية القرانية الكريمة (53:9) ” ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى  فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى”. او كما ورد في الحديث النبوي الشريف “ادناه من نفسه”، وتخبرنا تفاسير السيرة النبوية ان النبي محمد (ص) قال ذلك عند دعوته احد زائريه من ملوك العرب للجلوس بمقربة جسدية منه. (17)(26)
واخيرا، تجدر بنا الاشارة الى احتمالية ضعيفة في ان تكون كلمة “دنه” كلمة نبطية محلية تلفظ “اِدنه”، كفعل امر بمعنى تقرب، وقد كتبت باسقاط حرف الالف مع الكسرة. الا انه، وكيفما قُرأت او لفظت كلمة “دنه” في النقوش النبطية، لا يمكننا انكار حقيقة في غاية الاهمية، الا وهي ان هذه الكلمة كانت قد استخدمت دائما وبشكل واضح في جميع النقوش النبطية ككلمة للاشارة الى اسم مذكر، الا وهو “قبر”، وكانت قد استخدمت بشكل ثابت في بداية معظم نصوص الكتابات النبطية على القبور وبضمنها هذين النقشين.
في نقش ام الجمال تهجى المستشرقون الكلمة التالية بعد دنه “ن ف ش و” وقرأوها على انها من اسماء المؤنث وادعو انها متعلقة بكلمة “سامية” هي “نفشو” او بكلمة “نفس” باللغة العربية كما وردت في القران الكريم (89:27)  “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ”. وفي العربية، يمكن لهذه الكلمة ان تستخدم كاسم مذكر ايضا عند لفظها “نَفَسْ” من الاستنشاق او التنفس. ليس من الواضح كيف تهجى المستشرقون الكلمة، “نَفْشْ” او “نَفِشْ” ولكنها كانت حسبهم في كلتا الحالتين اسم مؤنث. وقبل الخوض في تحليل معنى واستخدامات “نفشو” (او نفسو) يشعر الدارس لنقش ام الجمال ان قراءة اوترجمة المستشرقين السائدة اليوم لهذه الكلمة قراءة غريبة ومثيرة للتساؤل ولا يمكن القطع بصحتها، لان كلمة “دنه” كانت قد استخدمت في رقوش ومعظم النقوش النبطية الاخرى للاشارة الى اسم مذكر، وتحديدا “قبرو” (اي قبر).  بطبيعة الحال، وكاحتمال اول لقراءة الكلمة، يمكننا حل التناقض في الاستخدام هذا لو قرأنا “دنه” على انها الكلمة “ادناه” كضمير اشارة محايد ومستخدم لكلا الجنسين، كما جادلت في هذا آنفاً. وسنطلع لاحقا على مخطوطة نبطية واحدة على الاقل من البتراء ورد فيها ذكر كلمة “دنه” للاشارة الى الاسم المؤنث “مقبرته”. اما الاحتمال الثاني فهو ان الكلمة الثانية “نفسو” ليست اسما وان كلمة “دنه” كانت قد استخدمت للاشارة الى اسم مذكر لاحق لها (ساناقش هذا فيما بعد). ويبقى ايضا احتمال ثالث، في ان تكون كلمة “نفسو” هي في الواقع “نقشو” الدالة على فعل الرسم والكتابة على انواع الوسائط كاحجار القبور والابنية بل وحتى الرمال. (13)(22) وعند مقارنة النقوش النبطية الثلاث يمكننا التمييز بين الحرفين عبر ملاحظة ان حرف الفاء كان يُرسم كمنحنى يبدأ يساراً ويلتف مكونا دائرة ينزل على يمينها خط عمودي في حين ان حرف القاف يبدأ بحلقة ينزل قرب منتصفها خط عمودي.
ولكن افتراضنا الثالث من ان الكلمة الثانية في ام الجمال (وقد اشرنا اليها بالرقم 2 في الشكل رقم (3.2)) كانت “نقشو”، يمكنه ان يتناقض مع ما اتفق عليه الباحثون في رسمهم النبطي وقرائتهم للكلمة رقم 3 على انها “فهرو” او “فهر” وهو اسم ذكر عربي تقليدي. ولكن حتى ولو افترضنا ان العبارة الاستهلالية “ادناه نقشو فهرو” صحيحة عربيا، الا انني  وبعد الدراسة العميقة لرسم الحروف النبطية في الصورة الفعلية للنقش والمبينة في الشكل رقم (3.2)، اتضح لي بدون ادنى شك، ان الكلمة رقم 3  في نقش ام الجمال لم تكن فهرو على الاطلاق. انما هي “قبرو”، وتليها كلمة رابعة شوهها التلف الحجري ولم ينتبه لوجودها المستشرقون، مكونة من حروف الفاء والراء ثم الهمزة، وهي قد تكون الكلمة “فرأ” او “فرء” او “فراء” التي استخدمها العرب قديما كاسم ذكر، وهي تعني “الحمار الوحشي” الذي يمتاز بمهارته المميزة في الهروب من الحيوانات المفترسة! ولربما تغير هذ الاسم الى “فَرَءو” او “فَرو” جريا على عادة الاراميين وعرب الشمال في ختم الاسماء بحرف الواو. ولقد ورد هذا الاسم في الحديث النبوي الشريف حيث خاطب النبي محمد (ص) ابي سفيان : “يا ابا سفيان انت كما قال القائل كل الصيد في جوف الفراء”. (13)
بالرغم من الضررالذي الحقته عوامل الطبيعة بحروف كلمة “فرء” في زاوية حجر ام الجمال الا ان الفاحص المدقق للنص يمكنه التكهن بسهولة بوجود كلمة رابعة في نهاية السطر الاول حتى بدون رؤيا حروفها، وذلك لان سعة الفراغ المتروك في نهاية هذا السطر لا يمكن تبريره اوتفسيره على انه فراغ متعمد!  ولاثبات قراءتي للكلمة، وضعت امام اعين القراء في الشكل رقم (3.2) صورة مكبرة عبر استخدام اداة تقنية حديثة، تدعى اداة تصفية الخطوط، في برنامج الفوتوشوب لاعادة اظهار ما طمس من حروف كلمة “فرء” الثلاث ولتقفي اثارها. 
نعود الان للكلمة رقم 3، “قبرو”، حيث يمكننا بسهولة اقتفاء اثر خط طويل ممتد افقيا ومرتبط بحرف الراء النبطي (الذي تقفاه المستشرقون في كلمتهم المفترضة “فهرو”)  من طرفه الايسر ليكوّن حرف مشابه تماما لحرف الباء الوسطية من كلمة “قبرو” في نقش رقوش (الكلمات المرقمة 2، 3، 4، 5).  ورغم ان جمهرة المستشرقين والباحثين كانت قد افترضت ان الخط القصير المتجه يسارا في انحداره الى الاسفل كان جزءا من حروف الكلمة الا انني لم اجده في واقع الحال الا تصدعا في حجر الشاهد. وحتى لو كان جزءا من حروف الكلمة، من غير الوارد بتاتا تشبيه الصيغة الناتجة منه بحرف الهاء في الكتابة النبطية. كما ان هناك خط اخر مشابه للخط السابق في انحداره الى الاسفل من حرف الراء في هذه الكلمة، وهذا ايضا ليس الا شق او تصدع عميق في الحجر، كسابقه. ان الفارق الوحيد في كلمة “قبر” الواردة في كلا النقشين، رقوش وام الجمال، هو ان الخط الصاعد من حرف الباء الوسطية  في ام الجمال لم يكن مستقيما كحاله في رقوش. وانما رُسم كخط مائل متجه الى اليسار قليلا، كما هو الحال في الكلمة السابقة “نفسو” واللاحقة “فرء”، مما يشير الى انه نمط خطي متعلق باسلوب ناقش الحجر الشخصي، ليس الا، متبع في جميع كلمات النقش. وعلاوة على ما اشرنا اليه اعلاه، بامكاننا تمييز خط ثالث باهت، ولكنه واضح، قريب من حرف الباء، ويمتد موازيا للخط الاول ومائلا الى اليسار ليرتبط بالخط الافقي لهذا الحرف مشكلا حرف الباء الوسطية التقليدية في الكتابة النبطية. ربما كان حرف الباء الوسطي في هذا النقش مختلفا قليلا عما الفناه في بقية النقوش كنتيجة لاستخدام ناقش الحجر نمط خاص به في الكتابة او لارتكابه خطأ في حفر الحروف او لتصدع الحجر وتلونه بفعل عامل الزمن او ربما كان الاختلاف بفعل تعديل اضيف لاحقا. وكدليل اخر لصحة ملاحظاتنا بخصوص هذه الكلمة، نرى ان الحرف الاول من الكلمة هو حرف القاف (من “قبرو”) وليس الفاء (من “فهرو”)، اذ يمكن للقارئ التحقق من ذلك بسهولة عبر مقارنته مع حروف القاف الواردة في مواضع شتى من كلا نقشي النمارة ورقوش.
اعادتنا رسم وقراءة الكلمة الثالثة في نقش ام الجمال وتوصلنا الى ان الكلمة كانت “قبر” او “قبرو” يفتح المجال واسعا امام احتمالات اخرى  لمعانى واستخدامات الكلمة التي سبقتها، اي كلمة “نفسو”.  وكبداية،  يمكننا قراءة الكلمة “نفسو” ولكن بمعنى “نفسه” او “هو نفسه” في اشارة تأكيد للقبر. وهذه القراءة ستكون متوافقة تماما مع قراءة كلمة “دنه” كاسم اشارة للمذكر او كضمير اشارة محايد لكلا الجنسين. وبذا يمكن ان تكون العبارة في مطلع النقش بمعنى “هذا هو قبر” وهي جملة نموذجية لما درج عليه العرب في تعليم شواهد قبورهم، او قد تكون “هذا نفسه قبر” بنفس المعنى اعلاه.  وكخلاصة لاحتمالي قراءة مطلع نقش ام الجمال وفقا لاستنتاجاتنا حتى الان ستكون الجملة الاولى للنقش اما “هذا نقشُ قبر فرءُ بن سالي” او “هذا نفسه (هو) قبر فرءُ بن سالي”.
ولكن ينبغي عليّ الان ان الفت انتباه القارئ الى حقيقة لابد من ذكرها الا وهي ان قراءتي النبطية لفاتحة نقش ام الجمال على انها ” دنه نفسو قبرو” يتطابق تماما مع الفاتحة القليدية لجميع نقوش القبور التأريخية المكتشفة في شرق الجزيرة العربية بخط المسند العربي، الا وهي “نفس وقبر”! وهذا يدعم مبدئيا ما ذكرته سلفا في استعراضي التاريخي الموجز لمعلومات مؤرخي الحضارة العربية الاسلامية، عن وجود صلة وثيقة بين الملك جذيمة ومناطق جزيرة العرب الشرقية وعن اعتقادهم انها كانت موطن مملكة تنوخ في بداية عهدها قبل انتقالها الى مدينة الحيرة. وقد قرأ جميع المستشرقين هذه العبارة “نفس و قبر” بمعنى “شاهدة و قبر”. اذ اعتبرو الواو “واو العطف” وادعو ان كلمة “نفس” بذاتها تعني “شاهدة قبر”، مستندين في ادعاءهم هذا الى قراءاتهم المتعلقة بالاستخدامات اللغوية في النقوش النبطية والعبرية والتدمرية (ساتناول هذا بالتحليل لاحقا). وبالرغم من ان تحليل مخطوطات المسند بتفصيل هو خارج مجال هذا البحث ولكن المعنى الطبيعي والبديهي الاول الذي يطفر لذهن القارئ لمصطلح “نفس و قبر” هو “روح وقبر”. او استنادا الى دليل نقش ام الجمال من المحتمل ان تكون فاتحة قبور شرق الجزيرة العربية بالمسند هي “نفسو قبر”. وللتشابه الكبير بين حرفي الفاء والعين في خط المسند، بنمطيه اللحياني والسبأي، هناك احتمال اخر في ان تكون كلمة “نفس”هي كلمة “نعش”، اي التابوت او سرير الميت. اذ ليس من المعقول اطلاقا ان كلمة “نفس” كانت قد استخدمت لوحدها بشكل شائع بمعنى “شاهدة قبر” ثم توقف استخدامها بهذا المعنى على حين غرة ليختفي بلا ادنى اثر بعد بضعة قرون لا غير. عموما، وحتى لو كانت كلمة “نفس” المستخدمة في فاتحة نقوش المسند تعني بمفردها “شاهدة او شاخص قبر”، علينا ان نلفت انتباه القارئ الى ان هذه الكلمة كانت قد استخدمت دائما مع كلمة “قبر” في ديباجاتهم، ولم نجد حتى الان اي شاخص قبر بخط المسند يبتدأ بكلمة “نفس” لوحدها. عموما، انني اعتقد، كما اوضحت سابقا، ان عبارة “نفس و قبر”  تعني على الارجح “روح وقبر”، او كاحتمال اخر، واعتمادا على نقش ام الجمال، انها كانت تلفظ “نفسو قبر” اي”هذا نفسه قبر” بمعنى “هذا هو قبر”، والاخير هو الاستخدام اللغوي الشائع على شواهد القبور عند العرب وغيرهم من اقوام المنطقة.
كلمة “نفس” في اللغة العربية كلمة معقدة نوعا ما، ولهذا السبب وضعنا امامنا مهمة ايضاحها بشكل اوسع قبل الغور في قراءة بقية النقوش. ومصدر هذه الكلمة هو “نَفَس” وهو متعلق بالتنفس والحياة. وتستخدم “نفس” بمعنيين اساسيين مختلفين في العربية، الاول بمعنى “روح”، “شخص”، او”كائن”. اما الثاني فبمعنى “ذاته”، “عينه”، “المطابق له “، “نفسه”، او “نفسها”. (13) يمكننا ربط الاستخدام بالمعنى الاول للكلمة بسهولة بملحمة كلكامش (وهي الاسطورة السومرية البابلية التي نقلت عنها التوراة قصة نوح الذي نجا من الطوفان)، وظهر فيها اسم الانسان والاله الاسطوري “اوت- نبشتو- م” والذي تُرجم اسمه حرفيا بالعربية “الكائن العظيم الازلي”. حيث استخدمت السومرية والاكدية والبابلية كلمة “نبشتو” بمعنى “الحياة”، “الكائن”، او “الروح”. وهي ذاتها الكلمة  “نفس” باللغة العربية و”نفشه” بالعبرية و”نابشتو” بالارامية والسريانية، واستخدم النبطيون هذه الكلمات جميعا بحكم موقعهم الجغرافي واختلاطهم. وفي اغلب نقوش الاضرحة النبطية وردت كلمة  “لنبشه” لتدل على معنى”لنفسه” وبعضها استخدم كلمتي “نبش” و”نبشته” في احيان اخر. (11) اما التدمريون فقد اعتادوا على تخليد موتاهم عبر النحوت النافرة على حجر الضريح او بوضع نصب او تمثال فوق القبر اطلقوا عليه غالبا اسم “صلم” كما في “صنم” بالعربية ولربما اشارو اليه، في احيان نادرة جدا، بكلمة “نبشه” او “نبيش” وحدها لتعني “الشبيه” او “المثيل”. (24) وهذا يثبت لنا اولا ان استخدامهم لهذه الكلمة متطابق تمام مع المعنى الثاني لكلمة “نفس” المذكور اعلاه، وثانيا ان استخدام هذه الكلمة للاشارة الى تمثال الميت الشخصي يتلاءم كليا مع هذا المعنى. اما الانباط فقد استعاضوا عن استخدام تمثال الشبيه باستخدام طراز معماري “تكون من مخروط يعتليه اصيص من الازاهير” مثبت فوق قاعدة اسطوانية او مربعة الشكل، وجادل البعض انهم اطلقوا عليها اسم “نبشه” او “نبش” ايضا، كالتدمريون. وتصاحب هذه النصب الحجرية المستقلة او المحفورة على الاسطح الحجرية عادة بضع كلمات منقوشة في اسفل القاعدة لتحديد هوية الميت فقط. (24)(29)
ورغم انه احتمال ضعيف جدا، الا انه ليس من المستحيل ان كانت قبائل الانباط  قد استخدمت على نطاق ضيق كلمة “نفش” عوضا عن “نصب”، الكلمة المستخدمة بشكل شائع على جميع معالم النصب التذكارية التي شيدوها لامواتهم واصنامهم.  ولكنني على اعتقاد راسخ ان المستشرقين الذين عنوا بدراسة نقش ام الجمال، المكتشف بعد نقش النمارة بسنوات، تسرعوا في تكرارهم لترجمة دوسو وغيره  لكلمة “نفس” بمعنى “نصب جنائزي”، قبل التحقق من صحتها طبقا للاسس المنهجية في الدراسة والتحليل. كما توسع البعض بادعاءه ان هذه الكلمة استخدمت بمعنى “شاهدة قبر” او “صخرة القبر” عند العرب، وجعلو منها رديف ثابت في معناه لـ “نصب قبر تذكاري” او “نصب جنائزي”. فلكي يبرهن استخدام النبطيون للكلمة بهذا المعنى، اشار المستشرق الانكليزي هيلي في مراجعه ، مثلا، الى كتاب الانباط لمؤلفه كانتينيو، والذي قرأ الكلمة بدوره بهذا المعنى مستندا في دليله على نقشين نبطيين لاغير، الا وهما نقش النمارة ونقش ام الجمال النبطي الذي كان يسمى حينذاك باسم نقش فهرو!
في كتابه القيم عن نقوش قبور مدائن صالح اعتقد هيلي بان هذه “النصب المخروطية الشكل المنحوتة في الصخور” تفسر لنا سر الاختفاء “الغامض” للنقوش الكتابية على العدد الكبير من المقابر المكتشفة في مدينة البتراء النبطية، والتي كانت قد منعت الكتابة على القبور حسب تكهنه. ولكن علينا التذكير هنا الى ان شكلي صخرتي النمارة وام الجمال ونقشيهما لا يتفقان ابدا مع الشكل المعتاد لما اسموه “نفش” وزعموا استخدامه من قبل النبطيين، اذ اشتمل هذا غالبا على ذكر اسم الميت فقط لاغير. وعلاوة على ذلك، فان غالبية نقوش المقابر النبطية وقد عثر على المئات منها حتى الان كانت قد استهلت نصوصها دوما بعبارة ” دنه قبر” او “دنه كبر”. وفيما زعم هيلي في قراءته لنقشين وحيدين لا غير (هما نقشي ستراسبورغ ومديبة) ان لفظة “نفس” كانت قد استخدمت بمعنى “شاهد قبر” و”نبستا” بمعنى “شاهدي قبر” قرأت انا النقشين بشكل مختلف كليا. (10)
وبعد دراستي الاولية لنقشي ستراسبورغ ومديبة لاحظت ان كلمة “نفس” المدونة في كليهما كانت قد استخدمت بالمعنى المتعارف عليه للكلمة في اللغة العربية وتحديدا “عينه” او “مثيله” او “ذاته”. ففي نقش ستراسبورغ (لم اجد صورا لهذا النقش لضياع حجر النقش حسب هيلي!) واعتمادا على نقل ورسم وقراءة هيلي للحروف النبطية يقول مطلع النقش “دا نبشا دي ابر بر مقيمو بر مقيمال دي بنه له أبوهي …”. [ترجمه هيلي للعربية الحديثة "هذا هو النصب القبري التذكاري الذي لأبار بن مقيمو الذي بناه له ابيه ..."]. وانا اقرأه بالعربية الحديثة ” هو ذا نفس (اي نفس القبر) الذي لأبار بن مقيمو بن مقيمال الذي بناه له ابيه ….”.  فكلمة “دي” هي من “ذي” و”ذو” للدلالة على “انتماء لشئ ما” وكلمة “دا” متعلقة باسم الاشارة للمفرد المذكر “ذا” في اللغة العربية. (13) أود ان الف انتباه القارئ هنا الى ان “دا” لم تستخدم في هذا النقش كاسم اشارة للمفرد المؤنث “نبش” (نفش)، كما ذهب المستشرقون. اذ وكما رأينا اعلاه ان “دا” او “ذا” هذه كانت قد استخدمت في نقش رقوش النبطي (الكلمة رقم 4) بعد اسم مذكر، “قبرو”، وليس اسم مؤنث. وفي اعتقادي ايضا ان “دا” لم تستخدم كاسم اشارة مباشر للمذكر المفرد عند النبطيين، لا في هذا النقش ولا في النقوش الاخرى التي ادرجها هيلي في كتابه، وانما وردت كضمير محايد جنسيا للتوكيد او للتعريف. على الارجح، استخدمها النبطيون بمعنى “ذاته” كما في “هو ذا” او “ذا هو” للمذكر، وبمعنى “ذاتها” كما في “هي ذا” او “ذا هي” للمؤنث. اما كلمة الاشارة المباشرة التي استخدمها النبطيون في نقوش القبور فكانت “دنه” بدون منازع.
اما نقش مديبة فقد كانت فاتحة النص حسب رسم هيلي لحروفه النبطية كالتالي: “دنه مقبرتا وترتي نبشتا دي علا منه دي عبد عبدعبدت ..”.  [ترجمها هيلي للعربية الحديثة "هذه المقبرة والنصبين القبريين التذكاريين الاعلى منها التي بناها عبد عبدت..."]. وانا اقرأها بالعربية الحديثة “ادناه (هذه هنا) المقبرة (او مقبرته) والثلاثة (او الاثنين) المشابهة لها التي اعلى منها التي بناها عبد عبدت … “. اذ انني اعتقد ان  حرف التاء في “نبشتا” متعلق  بتاء الاسم المؤنث لكلمة “قبرا” المذكور في بداية النص، الا وهو “مقبرتا”، ولم تكن للدلالة على العدد اثنين حسب هيلي الذي قرأ الكلمة عربيا بمعنى “شاهدتي قبر تذكاريين”. اذ استخدم النبطيون في العديد من نقوشهم كلمة  ”نفشا” مع كلمة المذكر “قبرا” وفي هذا النقش يبدو واضحا استخدمهم لكلمة “نفشتا” مع كلمة المؤنث “مقبرتا”. اما الكلمة التي بعد “مقبرتا” فهي باعتقادي “تلتي” المشتقة من الرقم النبطي “تلت” اي “ثلاثة”، وليس كما قرأها هيلي على انها “ترتي” من “ترين”، الكلمة التي قال المستشرقون انها الرقم “اثنين” في قاموسهم النبطي (سأعود الى هذا لاحقا) . ومما يدل على صحة قراءتي، وجدنا ان بقية النص تحدثت بوضوح عن ثلاثة اشخاص وليس شخصين، مما يؤكد ان عدد القبور المشار اليها في هذا النص كانت ثلاثة قبور وليس قبرين! اما كلمة “ترين” فهي باعتقادي الجازم كانت “تنين” في عموم النقوش النبطية لان كلمات الارقام النبطية جميعا كانت مطابقة تماما لقريناتها في اللغة العربية.  كما ان التشابه الكبير بين حرفي “النون” و “الراء” في الكتابة النبطية يمكن ان يؤدي احيانا الى التباس في القراءة وابدال حرف بالاخر. ولكي اثبت ما ذهبت اليه ادعو القارئ للتحقق من ذلك عبر مراجعة الكلمة الاولى للسطر السادس في نقش رقوش وكانت قد دونت بصيغة “وتنين” وليس “وترين”. ولكن وحتى لو كان الرقم المذكور هو اثنين، يمكن قراءة  مطلع نقش مديبة كالاتي: “ادناه (هذه هنا) المقبرة والاثنين المشابه لها التي اعلى منها التي بناها عبد عبدت …”.
كخلاصة لما تقدم، انني اعتقد بشكل قاطع ان اية دراسة تحليلية ناجحة للنصوص النبطية تستوجب الاعتماد على مراجع العربية الفصحى قبل كل شيء، فالنبطية ليست لغة موازية للعربية كما يعاملها المستشرقون وانما لهجة من لهجاتها. اذ تبين لنا بوضوح من خلال توظيفنا للعربية وعبر القراءة والتحليل عدم وجود اي دليل على ان كلمة “نفس” او “نفسا” او “نفسه” الواردة في مطلع شواهد القبور النبطية والعربية كانت قد استخدمت على انفراد بمعنى “شاهد قبر”. كما ان من المهم جدا ملاحظة ان جميع نقوش عربية المسند او الانباط او التدمرييين على القبور تضمنت على الدوام كلمة “قبر”. وحتى لو افترضنا جدلا ان تكون عبارة المسند “نفس و قبر” قد استخدمت بمعني “شاهد و قبر”، وبان معنى كلمة “نفس” كان “شاهد حجري” او “شاخص حجري”، فان من المهم جدا الانتباه الى حقيقة ان كلمة “نفس” لم ترد بمفردها بمعنى “شاهد” او “نصب تذكاري” في اي من نقوش المسند او سواها. وبناءا على تحليلنا هذا ايضا، سيكون من المستبعد كليا افتراض ان صخرة نقش ام الجمال كانت نصبا تذكاريا فقط لضريح لا يحوي قبرا فعليا للمتوفي في قاعه، وهي الحالة الوحيدة التي تبرر استخدام كلمة “نفس” لوحدها في مطلع النص.
قبل البدء في تحليل ودراسة السطر الاخير من نقش ام الجمال تجدر بنا الاشارة هنا الى انه على الرغم من ان هذا النقش لم يكن نقشا ثنائي اللغة، الا انه كان قد اكتشف الى جانب نقش اخر على حجر منفصل يتضمن ترجمته باللغة الاغريقية. و بالرغم من قناعتي التامة بوجوب الاعتماد على النقش النبطي كمصدر نهائي في تحليل هذا النص (تلفظ الاسماء العربية عند كتابتها بالحروف الاغريقية يمكن ان يكون غير دقيق او خاطئ) الا اني قررت ان احلل الكلمات الاولى لنص النقش الاغريقي المترجم لكي اضيف اثباتا اخر الى صحة قراءتي الجديدة للنقش النبطي.
الشكل رقم (3.3):  الرسم السائد بالحروف الاغريقية لنقش ام الجمال الاغريقي الذي اكتشف حجره الى جانب حجر نقش ام الجمال النبطي وكانت كلماته ترجمة باللغة الاغريقية لنصه
اعتمادا على رسم الحروف الاغريقية السائد للنقش المترجم، ورغم عدم استخدامه لاية فراغ بين الكلمات الخمس الاولى كما هو واضح في الشكل رقم (3.3)، يمكننا قراءت مطلع النص بالحروف الاغريقية بسهولة، كالاتي:
Η CΤΗΛΗ ΑΥΤΗ ΦΕΡΟΥ CΟΛΛΕΟΥ
وترجمة ذلك باللغة العربية  ”هذا هو شاهد قبر فرو سالي”. قبل كل شيء يبدو جليا للقارئ ان اسم الميت الاول كان ФEPOY وتلفظه بالعربية “فرو” وليس “فهرو”، اذ لا اثر لحرف الهاء العربي الحلقي الذي يلفظ من البلعوم في كلمة الترجمة الاغريقية. الا اذا تصور القارئ ان حرف “E” الاغريقي مشتق من حرف الهاء الفينيقي! وفي اعتقادي ان النص الاغريقي استخدم الحرفين الاغريقيين “OY” في نهاية كلمة ФEPOY (ويلفظان سويتا بالاغريقية كما يلفظ الصوت الوسطي في كلمةWood  الانكليزية) كبديل للهمزة او للالف بالضمة. نعيد لذاكرة القارئ ان قراءتنا للاسم الاول بالحروف النبطية كان “فرء” او “فروء”. وقد تكرر استخدام مقطع الحروف الاغريقية “OY” ايضا لنفس الغرض في نهاية كلمة “سالي” المترجمة بالاغريقية الى CΟΛΛΕΟΥ، رغم ان هذا الاسم انتهى في النص النبطي بحرف ياء واضح! ان استخدام النقش الاغريقي لصوت يشابه صوت حرف الواو عوضا عن الياء في هذه الكلمة يشير بوضوح الى ان الاسم الاول للميت لم ينتهى بالضرورة بحرف الواو كما افترضه المستشرقون على نحو خاطئ عندما اسرعو بقراءة كلمتي “قبر فرأ” سويتا على انها اسم الميت “فهرو” (معتمدين كليا على قراءتهم للنص الاغريقي فقط، على مايبدو!). ساتناول لاحقا الاستخدام اللغوي لحرف الواو بعد الاسماء عند الاراميين وعرب الشمال عموما.  اما بالنسبة لاستخدام كلمة CTHɅH  في النقش الاغريقي، وتعني “شاهد قبر” بالعربية، فذلك لا يدل ابدا ان الكلمة كانت ترجمة حرفية لكلمة “نفس” النبطية، وانما يدل ان المترجم تصرف في ترجمته الاغريقية لعموم النقش النبطي، كما يتوجب عليه. واخيرا، ولاغناء نقاشنا اعلاه فقط، يتوجب علينا الاشارة بناءا على النقش الاغريقي الى احتمالية استخدام العرب النبطيون لكلمتي “نفسوقبر” مجتمعتين بمعنى “شاهد قبر” وليس بمعنى “روح وقبر” ولكن هذا احتمال ضئيل باعتقادي.
قبل انتقالي الى موضوع اخر، اود الاشارة الى بعض الملاحظات الهامة والضرورية لقراءة وتحليل بقية نقش ام الجمال.
أولا:  قرأ المستشرقون الكلمة رقم 4 على انها الكلمة العربية “مَلِك”. ولكن وبعد تتبعنا الدقيق لحروف الكلمة النبطية في النقش يبدو واضحا جدا وجود “ميم” ثانية، وبذلك تكون الكلمة الصحيحة هي “مُمَلٍّك” والتي تعني “الشخص الذي اعطى الملوكية اي صيره ملكا عليهم”. ومعناها في سياق هذا النقش “مؤسس السلالة الحاكمة لمملكة ما”. وقراءتنا للكلمة هذه تنسجم كليا مع قراءة الكلمة رقم 5 التي تليها مباشرة، “تنّوخ”، وهي قبيلة الملك جذيمة، وقد قرأها المستشرقون خطئاً “دنّوخ” كما سنرى في الملاحظة التالية .
ثانيا: من الواضح جدا عند تتبع النقش النبطي للكلمة رقم 5، “تنّوخ”،  ان الحرف الاول لهذه الكلمة هو “التاء” وليس “الدال”. فكما اوضحنا للقارئ في لمحتنا التاريخية، ان الملك جذيمة الابرش، وهو عم امرؤ القيس البدأ، كان مؤسس مملكة تنوخ، او عند استعارتنا للكلمة التي استخدمها النقش، كان من منح قبيلة تنّوخ الملوكية. ومما يؤكد صحة قراءتي هذه، ان مدونات تاريخ العرب لم تسجل يوما ما مملكة او قبيلة باسم دنّوخ. وبذا، يتوجب قراءة السطر الاخير لنقش ام الجمال “مُمَلّك تنّوخ”، اي الشخص الذي اسس مملكة تنّوخ.
وفي الخلاصة، فان ترجمتي العربية الجديدة لحروف نقش ام الجمال النبطية سطرا بسطر هي كالاتي:
دنه نفسو قبر فرء
بر سلي ربو جذيمت
مملك تنّوخ
اما قراءتي لها بالكلمات العربية الحديثة وفقا لترجمتي الحرفية عن النبطية، بعد اضافة حروف الالف والحركات وازالة حروف الواو النبطية الاضافية وابدال الراء النبطية بالنون، وبعد اضافة فوارز ونقاط وكلمات بديلة داخل الاقواس للتوضيح، فهي احدى القراءتين التاليتين:
ادناه نفس (روح) وقبر فرُء بن سالّي ربُّ (مُربّي) جُذيمة مُمَلَّكُ (مؤسس مملكة) تنّوخ
ادناه نفسو(هو نفسه) قبر فرُء بن سالّي ربُّ (مُربّي) جُذيمة مُمَلَّكُ (مؤسس مملكة) تنّوخ
قبل الانتقال الى القسم التالي من هذا البحث، اود ان اتناول ببعض التفصيل ظاهرة الحاق حرف “الواو” بنهاية الاسماء النبطية. لاحظ مثلا كلمة “قبرو” بدلا من “قبر” وكلمة “كعبو” بدلا من “كعب” وكلمة “حجرو” عوضا عن “حجر” في نقش رقوش. وهذه ظاهرة شائعة في جل النقوش العربية الشمالية والتي يعود تاريخها لفترة ما قبل الاسلام، سواء كانت مدونة بالخط النبطي او بخط الجزم العربي. وسنرى لاحقا ان نقش النمارة ينحو نفس المنحى، اذ تنتهي كل الاسماء المذكورة فيه بحرف “الواو”. من النقوش العربية التي اتبعت هذا التقليد، قبل الاسلام، نقش الجزّاز (410 م) ونقش السَكاكة (اوخر القرن الرابع الميلادي) ونقش زبد (512 م) ونقش حرّان (568 م). ومن المرجح ان هذا التقليد المتبع في مدونات اللغة الارامية ايضا كان قد دخل على الاقوام العربية الشمالية بفعل الاتصال الثقافي مع الحضارتين الرومانية واليونانية. واستخدام الواو بهذا المنوال يدل على ان اغلبية، ان لم نقل جميع، القبائل ذات الاصول العربية المهاجرة شمالا قبل عصر مملكة تنوخ بقرون، وبالاخص اسلاف النبطيين، كانو قد تكيفوا واندمجوا مع الاقوام الارامية المجاورة التي هاجرت قبلهم. (1)(21) وتجدر الاشارة هنا الى ان  نُحاة اللغة العربية اعتقدو ان الواو في “عمرو” هو حرف زائد اضيف لتمييزه عن الاسم العربي “عُمَر”.  الا انني اعتقد ان حرف الواو هو حرف اصلي في بناء الاسم “عمرو”،  ولا بد من نطقه، على الاقل، عند تلفظنا لاسم “عمرو بن عديّ”، والد الملك “امرؤ القيس البدأ” وقد كان على الاغلب من عرب الشمال كما بينت اعلاه، وليس احد افراد القبائل اليمانية التي هاجرت الى الحيرة حينذاك.

3.4 مقدمة في قواعد النحو العربي: هل “تي” اسم اشارة للمؤنث المفرد؟
قبل الخوض في تفاصيل قراءة نقش النمارة يتوجب علينا الخوض عميقا في دراسة معنى كلمة النص الاولى في ذلك النقش. وقد كانت هذه الكلمة بحرفين نبطيين واضحين جدا للعيان، تاء وياء، يمكن قراءتهما سويتا الكلمة “تي”.  وقد ذهب دوسو عام 1901 الى ان هذه الكلمة هي اسم اشارة للمؤنث المفرد بالعربية بمعنى “هذه “. واجمع عموم باحثوا القرن العشرين اللاحقون على الاقرار بقراءته هذه وتأكيدها بدون جدال او اعادة دراسة!
فمثلا كتب بلمي في دراسته المستفيضة لنقش النمارة عام 1985 سطرا يتيما واحدا ارشد فيه القارئ الى مرجعين كلاسيكيين لا غير، لدعم قراءته لهذه الكلمة او لاستقاء معلومات اضافية عنها. (7) المصدر الاول كان ترجمة انكليزية لكتاب اكاديمي الماني عن قواعد اللغة العربية نشر لاول مرة عام 1857. اما المصدر الثاني فهو كتاب انكليزي عن تاريخ غرب جزيرة العرب ونشرعام 1930.
وقد ادرج مؤلف الكتاب الاول في قائمة مراجعه، الفية ابن مالك، وهي منظومة شعرية ضمت في متنها الف وثلاثة من الابيات هي خلاصة قواعد النحو والصرف العربي وقد الّفها قبل ثمان قرون اللغوي العربي البارز ابن مالك لتغدو احد المرجع الرئيسية لقواعد اللغة العربية الفصحى. (32) غير ان قائمة مراجعه افتقدت المعجم اللغوي الشهير لسان العرب لصاحبه ابن منظور وهو احد عظماء اللغويين العرب، وقد كُتب هذا المعجم في وقت متزامن مع كتاب الالفية. وكلا المرجعين منسوخين بخط اليد، الا ان ظهور الطباعة الالية في بلاد العرب خلال القرن الثامن عشر ساعد على انتشارهما، وجعلهما في متناول يد القراء بشكل واسع.
ولان الفية ابن مالك كانت منظومة شعرية معقدة فهي بذلك صعبة الفهم نوعا ما لغير المختصين في علوم اللغة. وهذا مما استدعى العديد من علماء الحضارة العربية الاسلامية الى التحقيق فيها وتناولها بالشروح والتفسير. ومن بين هؤلاء كان ابن عقيل الذي وضع تفسيرا تفصيليا لجميع ابياتها في عدة مجلدات مخطوطة. وبطبيعتها، لسوء الحظ، فان المصادر المنسوخة كالفية ابن مالك يمكن لها ان تحتوي على كلمات مختلف على قراءتها، كلمات مفقودة، او حتى اخطاء املائية. ولسوء الحظ ايضا، اعتمد علماء اللغة المحدثون بشكل رئيسي على التفاسير القديمة لمخطوطة ابن مالك. اما لسان العرب، وقد سبق الالفية بفترة وجيزة، فقد امتاز بشروح وافية وهوامش مضافة من قبل الكاتب نفسه مع استشهادات وفيرة من القرآن الكريم واشعار الجاهلية.
لتلخيص اسماء الاشارة للمفرد في قواعد اللغة العربية، قال ابن مالك في الفيته بيتا شعريا واحدا وهو:
بِذا لمُفْرَدٍ مُذكَّرٍ أَشِرْ     بِذي وذِهْ ؟؟ تا على الانثى اقتَصِرْ
ويمكن تفسير هذا البيت بسهولة كما يلي: “استخدم “ذا” عند الاشارة الى المذكر المفرد واقتصر على استخدام “ذي” و”ذِهْ” ؟؟ “تا” عند الاشارة للمؤنث المفرد “. اذ تبين لي بعد البحث والتنقيب ان المخطوطة الاصلية للكتاب كانت قد تضمنت كلمة مبهمة ومتنازع عليها بين كلمة “ذِهْ” وكلمة “تا” وقد استعضت عنها لذلك بعلامتي استفهام. وهذه قد تكون في المخطوطة الاصلية كلمة مقصودة، كلمة مصححة، او كلمة مشطوبة.  ثم وجدت اثناء دراستي للتفاسير ان القدماء من علماء العرب والمسلمين كانو على اختلاف شاسع في قراءة وتفسير هذه الكلمة وهذا البيت الشعري من المخطوطة. (8) ولحسم خلافهم هذا التجأ معظمهم الى تجاوز هذه الكلمة واهمالها، والاقتصار على درج لائحة اسماء الاشارة الثلاثة المعروفة للمفرد المؤنث في قواعد اللغة العربية الا وهي: ذي ، ذِهْ ، تا.
سادرج ادناه امثلة لبعض القراءات المتباينة التي عثرت عليها اثناء البحث للبيت الشعري اعلاه، وسالحقها ببعض من تفاسيرها:
بِذا لمُفْرَدٍ مُذكَّرٍ أَشِرْ   بِذي وذِهْ تا على الانثى اقتَصِرْ
بِذا لمُفْرَدٍ مُذكَّرٍ أَشِرْ   بِذي وذِهْ تي تا على الانثى اقتَصِرْ
بِذا لمُفْرَدٍ مُذكَّرٍ أَشِرْ   بِذي وذِهْ نسى نا على الانثى اقتَصِرْ
بِذا لمُفْرَدٍ مُذكَّرٍ أَشِرْ   بِذي وذِهْ تي ته على الانثى اقتَصِرْ
يبدو واضحا من تباين قراءة هذه الابيات الشعرية ان العديد من الباحثين والمفسرين كان قد اصر على قراءة هذا الخطأ الكتابي البائس عبر استبداله بكلمة او باخرى. وقام غالبيتهم بتبرير قراءاتهم بالادعاء انها كانت قراءات مستمدة من العقائد والتعاليم الاسلامية. فهناك من زعم ان هذه الكلمة كانت “تي” وهي اسم اشارة رابع للمؤنث وذلك بما يتماشى مع اباحة الزواج من اربعة نساء! ومع مرور الوقت تزايد عدد العلماء المجتهدين بقراءة هذه الكلمة العصية. حتى ان بعضهم ادّعى وجود تسع اسماء اشارة للمفرد المؤنث في اللغة العربية لان المرأة لا تملك مكانة اجتماعية مميزة وواضحة كالرجل ولذلك يتوجب الاشارة اليها بعدة اسماء تبعا لمكانتها. وكنتيجة لكل هذه التفاسير، عدد مصدر قواعد اللغة العربية الالماني الذي اعتمده بلمي، وهو المرجع ذاته الذي اعتمده دوسو على الاغلب، تسعة اسماء اشارة للمفرد المؤنث، وأحدها  كان “تي”، وهذا ما تسجله العديد من مراجع النحو العربية الحديثة ايضا، للاسف.
وباعتقادي، لم تكن غلطة الناسخ في مخطوطة الفية ابن مالك، بالضرورة، السبب الاساسي الكامن وراء المزاعم المبالغ بها اعلاه. اذ ومن الواضح جدا ان ابن مالك كان قد استخدم  كلمة “إقتَصِرْ” في عجز ذلك البيت الشعري، وهي كلمة قوية بصيغة فعل امر، وتعني “اكتفي بها ولا تتجاوزها”.  لدي انطباع قوي ان البعض من علماء المسلمين ممن عاصر ابن مالك كانو قد بالغوا في صياغة اسماء اشارة جديدة للمؤنث لدعم اجتهاداتهم الدينية الشخصية، وهذا بالتحديد ما دفع ابن مالك بصياغة بيته الشعري بذلك الحزم لابطال ادعاءاتهم. (12) فحتى في يومنا هذا، يمكننا ان نلاحظ بسهولة من خلال اجراء بحث سريع في محركات الشبكة العالمية مدى تباين اراء علماء المسلمين المعاصرين وتضاربها بمواضيع المرأة في الاسلام. ومن المفارقة المؤسفة حقا ان نرى اصرار بعض المفسرين في تبرير اعتقاداتهم لغويا ونحويا عبر قولهم ان فعل الامر الواضح “اقتَصِرْ” كان متعلقا باسم الاشارة للمذكر. فحسب ادعاهم يكون معنى عجز البيت “لا تستخدم عند الاشارة للمذكر اي من اسماء الاشارة اللاحقة للمؤنث”. وذلك على نحو مخالف تماما لما اراده ابن مالك في انتقائه فعل الامر هذا ليكن معنى عجز البيت واحد لا غير، الا وهو “اكتفي باسماء الاشارة اللاحقة للمؤنث، فقط ،عند اشارتك للمؤنث” .
لسوء الحظ، انني لم اجد الفرصة لتفحص المخطوطة الاصلية لالفية ابن مالك بنفسي، ولكن من حسن الحظ ان النص موضع الجدال كان بيت شعرعمودي بما يجعل امكانية تشخيص القراءة الصحيحة من بين جمع القراءات المتباينة مهمة بسيطة، وذلك عبر تحديد مدى التزام بيت الشعر هذا بشروط واوزان وبحور الشعر العربي. وانطلاقا من خبرتي كمصمم للخطوط الطباعية العربية بما يتضمنه ذلك من معرفة ونظرة عميقة لاشكال الحروف العربية، وبناءا على ملاحظتي بان ابن مالك كان قد استخدم “واو” العطف بين “ذي” و”ذِهْ”، انني واثق تماما ان الكلمة المحيرة موضع الاختلاف (المشار لها بعلامتي الاستفهام ؟؟) والتي سبقت “تا”، لا بد ان تكون واو عطف اخرى. ففي مبادئ النحو العربي القديمة من غير الجائز اضافة التابع الى المتبوع بدون اضافة واو العطف بينهما. وفي اعتقادي ان ناسخ الالفية كان قد رسم على نحو ردئ وبدون قصد حرف الواو الثاني مبتداً بحلقة صغيرة جدا غير مكتملة يتبعها خط طويل منحني يسارا الى الاسفل يمكن الالتباس بتشخيصه كحرفين: تاء متصلة بياء نهائية وكلاهما كان بدون تنقيط. وكخلاصة، كانت الصيغة الصحيحة لبيت الشعر الذي وضعه ابن مالك بخصوص اسماء الاشارة للمفرد في رأي كالاتي:
بِذا لمُفْرَدٍ مُذكَّرٍ أَشِرْ     بِذي وذِهْ وتا على الانثى اقتَصِرْ
وللتحقق من صدق اعتقادي ، بعثت رسالة الكترونية الى الشاعر المبدع سعدي يوسف (احد الشعراء المحدثين البارزين الذي تشرفني معرفته وصداقته) تضمنت خمسة من الصيغ المختلفة السائدة لبيت شعرالفية ابن مالك، ومنها صيغتي الانفة الذكر اعلاه. وطلبت منه في رسالتي ان يحدد لي اي من الابيات الشعرية الخمسة هو البيت المتوافق مع شروط اوزان وبحور الشعر العربي المعروفة، بدون اعطاءه اسباب طلبي هذا. لم تفاجئني اجابته بنفس اليوم بان صيغتي لبيت الشعر هذا كانت الصيغة الوحيدة التي تتماشى مع الوزن الشعري والمعنى، اي باضافة حرف الواو قبل “تا”. قلت لم تفاجئني الاجابة، لان ابن منظور الذي تبحر وتعمق في دراسة جميع المصادر المهمة لقواعد اللغة العربية في ذلك العصر لم يدرج (كالفية ابن مالك) في معجمه الشهير لسان العرب لفظة “تي” كاسم اشارة للمفرد المؤنث. (13)
اما المصدر الثاني الذي ادعى استخدام العرب لفظة “تي” للاشارة للمؤنث، حسب بلمي، فقد كان الصفحة رقم 152 من كتاب حاييم رابين “تأريخ غرب الجزيرة العربية القديم”. (7) اذ المح رابين في كتابه هذا الى ان “تي” كانت تستخدم كاسم اشارة للمفرد المؤنث، معتمدا بذلك على صحيح البخاري الذي روى عن الرسول محمد (ص) انه خاطب السيدة عائشة، صغرى زوجاته، بعبارة “كيف تيكم”. ويبدو هنا ان رابين كان قد اجتهد خاطئا من ان قدماء العرب كانو قد استخدامو الحرفين “تي” كاسم اشارة مستقل للمفرد المؤنث طالما انهم استخدموهما ضمن عبارة الاشارة المركبة “تيكم”. ثم اضاف رابين ايضا في كتابه الصادر بعد ثلاثة عقود من تاريخ اكتشاف نقش النمارة كلمة “تي” الواردة في هذا النقش، كمرجع معتمد ثان لاثبات اجتهاده اعلاه. (25) بكل صراحة، انا ارى ان رأي رابين هذا ليس خاطئاً فحسب وانما فيه شيء من التظليل. فاما “تي” في كلمة “تيكم” فهي مشتقة من “تا” اسم الاشارة العربي التقليدي للمفرد المؤنث. وقد ناقش ابن منظور في معجمه لسان العرب هذا الموضوع وبحثه بشكل مستفيض في مقدمته عن حرف التاء. اذ اوضح ان “تا” هي اسم اشارة يشار به الى مؤنث مفرد. واضاف ايضا ان كلمة “تيَّا” هي تصغير لاسم الاشارة “تا”. وبناءا على شرحه هذا اعتقد شخصيا انها كانت تستعمل ايضا في الاشارة لبنت صغيرة السن، كالسيدة عائشة، عند التدليل وليس فقط للتهكم اوالسخرية. ثم من الواضح بعد قراءة شروح ابن منظور ان “تا” يمكنها الاندماج بلواحق اخرى لتكوين كلمات مركبة جديدة يشار بها الى اسم مؤنث مفرد عند التخاطب مع طرف ثالث، ومنها التركيب “تي”، ولكن هذا التركيب لم يستخدم بمفرده كاسم اشارة مستقل. فكلمتي “تِيكَ” و “تِلْكَ” مثلا مشتقتان من “تا” وليس “تي” حسب ابن منظور. فقد قالت العرب “تِيكَ” ولم تقل “تاكَ”، ومنهم من قال “تالِكَ” بدلا من “تِلْكَ”، وقد وصف ابن منظور الاستخدام الاخير على انه “اقبح اللغات كلها”. (13) وكخلاصة لنقاشنا اعلاه، انني لم اجد مثالا عربيا واحدا استخدم “تي” كاسم اشارة مستقل للمفرد المؤنث، سواء كان ذلك في القرآن الكريم او الشعر العربي او غيرهما، فيما عدا قراءة المستشرقين الخاطئة لها في نقش النمارة المستقاة من القراءة الخاطئة لبيت شعر الفية ابن مالك عن اسماء الاشارة. وحتى لو صدف وان عثرنا على مثال كهذا فسيكون هذا استخداما خاطئا عائد لفترة ما بعد الاسلام وبعد اختلاط العرب الكبير بالاقوام المجاورة. وعليه، فان اسماء الاشارة المستقلة للمؤنث المفرد في العربية الفصحى كانت ولا زالت “تي” و”ته” و”تا”، لا غير.
3.4 اعادة قراءة نقش النمارة العربي النبطي
عندنا نأخذ في حسابنا العدد الهائل لنقوش المسند العربية القديمة المتوفرة لدينا اليوم، لا يمكننا ابدا اعتبار النمارة، او اي من النقوش العربية النبطية الثلاث اعلاه، اقدم الوثائق المكتوبة بالعربية، كما يذهب المستشرقون. ورغم ان نقش النمارة كان قد كتب بلغة عربية فصحى جيدة
الشكل رقم (3.4):  صورة عالية الجودة لحجر نقش النمارة معلقة على جدران متحف اللوفر الفرنسي في باريس، التقطتها عدسة موسوعة المعرفة.
الشكل رقم (3.5):  رسم دوسو السائد بالحروف النبطية لنقش النمارة وتحته ترجمته السائدة بالحروف العربية مع اضافة الحركات
الشكل رقم (3.6):  رسم المؤلف الجديد لنقش النمارة بالحروف النبطية وتحته ترجمته الجديدة بالحروف العربية والى الاسفل منهما ترجمته العربية الحديثة بعد اضافة حروف الالف والحركات وحذف الواو النبطية، وبعد اضافة الفوارز والنقاط لتسهيل قراءة النص
الا ان نوعية ونمطية خطه لم يكنا كذلك. فكما يبدو ان نوعية الصخرة والجهد المبذول في تحضيرها كانا قد فاقا باشواط نوعية وجودة خطوط النقش، وذلك مما يشير الى ان كاتب النقش ليس الشخص ذاته الذي اعد الحجر. وبكل تأكيد فان نقش النمارة حجرا وكتابتا لايبدو لائقا كشاهد قبر او نصب تذكاري لملك هام كامرؤ القيس البدأ. الا انه وبغض النظر عن
بعض التشققات الواضحة في الحجر ومنها انشطاره شبه الكامل الى قطعتين او اكثر فان معظم كلمات النص المحفورة كانت واضحة ويمكن تتبعها واعادة رسمها بسهولة من قبل خبراء النبطية والعربية. وبرغم وجود العديد من المساحات المتاكلة على سطح الحجر الا انها لم تمنع استقراء كلماته الا في موقع او اثنين.
بدون شك، ان مهمة قراءة النمارة عربيا (وهي مهمة لغوية واثارية ممتعة ومدهشة) هي مهمة معقدة حقا، الا انها ليست كذلك بعد التوصل الى قراءة عربية متماسكة ورصينة لسطري النص الاولى، وبالاخص الكلمتين الاوليتين منه. وبالرغم من ان العديد من علماء الاستشراق الغربيين كان قد قام بدارسة وتحليل نقش النمارة، ابتداءا من مكتشفه دوسو، الا ان الفضل الاكبر يعود باعتقادي للبروفسور بلمي في جامعة مشيغان الامريكية المرموقة والذي اعاد رسمه بالنبطية وقراءته عربيا بشكل جذري في ثمانينيات القرن الماضي وقدم تعديلات مبتكرة هامة لبعض مفرداته مصحوبة بصور توضيحية دقيقة. ولكن من المؤسف ان قراءته الحاذقة لبعض كلمات النص الاساسية لم تعدل مضمون قراءة دوسو العامة وانما جاءت لاقرارها.
اما انا فقد درست نقش النمارة بتفحص لاول مرة عام 2008م وهو العام الذي نشرت فيه مقالتي عن تاريخ ابجدية الجزم العربية. وكان شغفي بالخطوط العربية الطباعية قبل ذلك قد قادني الى مجال الدراسة الاكاديمية لتأريخ الكتابة العربية واصولها. وفي قراءتي الاولية اعتمدت كليا على الرسوم النبطية والصور السائدة للنقش وخاصة تلك التي نشرها بلمي. الا انه وبعد مساعدة اخي المشكورة في التقاط صور مقربة لحجر النمارة عند زيارته متحف اللوفر عام 2009، مستعينا بامكانيات التقنية الحديثة لآلة تصويره الرقمية،  نجحت اخيرا في الحصول على مجموعة من الصور المقربة عالية الجودة للنقش، بما مكنني من تفحص المواضع المتنازع عليها بين الباحثين بعناية ودقة.
الشكل رقم (3.5) يبين رسم دوسو الاصلي لنقش النمارة بالحروف النبطية مع ترجمته بالحروف العربية، كما تعرضها كتب التأريخ السائدة في يومنا هذا. الا انني وبعد ان علمني مساعدي وطالبي السابق حسن جميل خفايا برنامج الفوتوشوب، استطعت انتاج صورة جديدة معدلة لحروف النقش النبطية، تتضمن احدى عشر تعديلا تصحيحيا لرسم دوسو بضمنها ثلاثة تعديلات وضعها البروفيسور بلمي وستة من تعديلاتي. انظر الى الشكل رقم (3.6) الذي يتضمن ايضا ترجمتي الحرفية للنص بالعربية. ولمساعدة القارئ في تعيين موقع تعديلاتي ومقارنتها ولمواكبة نقاشي وقراءتي للنص، اضفت على رسم دوسو الاصلي المبين في الشكل رقم (3.5) رقما لكل كلمة مستبدلة او مختلف عليه. كما اضفت للتوضيح ايضا في الشكل رقم (3.6) ترجمتي المختصرة بالعربية الحديثة بعد اضافة الفوارز والنقاط والحركات الضرورية وبعد اضافة حرف الالف المفقود. وجهزت القارئ الراغب في تتبع الحروف النبطية بنفسه بصورة واضحة عالية الجودة لحجر النمارة ملتقطة بمهارة فائقة من قبل عدسات موسوعة المعرفة الموقرة، يمكن تنزيلها وتكبيرها عبر الشبكة العالمية. انظرالى الشكل رقم (4.4). وفي خاتمة البحث زودت القارئ بترجمتي العربية الحديثة الموسعة للنص مع شروح مختصرة بين الاقواس.
السطر الاول
بكل وضوح، ان اثباتنا الوافي اعلاه لخطأ قراءة دوسو لمغزى كلمة النص الاولى “تي” سيعني فيما يعني ان الباب اصبح الان مفتوحا لاعادة قراءة النمارة ولتحدي مدى صحة المضمون الاساسي لجميع القراءات الحالية لنقش النمارة. اذ لو كان هدف كاتب النقش استخدام كلمة اشارة لضريح شخص ما لما تردد للحظة في استخدام كلمة الاشارة “دنه” التي تواتر استخدامها على كافة شواهد القبور النبطية وبضمنها نقشي ام الجمال ورقوش المكتوبان في نفس الفترة الزمنية. غير اننا وبعد اتمامنا لمهمة الطعن في قراءة دوسو لاثبات خطأها، وضعنا امامنا معضلة اشد تعقيدا، الا وهي كيفية قراءة وتفسير مغزى وفحوى هذه الكلمة الاستثنائية الغريبة “تي” في نقش النمارة.
وقد بدأت بمهمتي العسيرة هذه في الارامية حيث يعتقد ان كلمة “تي” كانت قد استخدمت كاسم اشارة للمفرد المذكر. اذ نرى مثلا استخدامها كجزء من اسم قرية “تيشور” السورية التابعة لمحافظة طرطوس، ويعتقد انه اسم ارامي مركب مشتق من لفظتي تي (هذا) وشور (سور). (3)(9) والاخير اسم مذكر في اللسان العربي والارامي. الا ان الكلمة الثانية في نقش النمارة كانت كلمة “نفس” بوضوح، وهي اسم مؤنث كما شرحت سابقا عند نقاشي لنص ام الجمال. اما الحالة الوحيدة التي يمكننا فيها استخدام هذه الكلمة كاسم مذكر فهي غير ممكنة التطبيق في سياق نص النمارة. ولو اخذنا بنظر الاعتبار ان كاتب نقش النمارة كان قد استخدم لغة عربية فصيحة واضحة في عموم النص، سيكون من غير المحتمل كليا ان يستهل الكاتب نصه هذا بكلمة ارامية، ناهيك عن انها الكلمة الارامية الخاطئة.
بغض النظر عن طبيعة كلمة “نفس”، سواء كانت اسم مذكر ام اسم مؤنث،  يتوجب علينا لغرض بحثنا هذا ان نعيد التحري بمعناها ومغزى استعمالها في نقش النمارة تحديدا. وكما اوضحنا سابقا، فان هذه الكلمة لم تستعمل في مطالع النقوش النبطية كاسم مستقل ابدا الا انه وبسبب شيوع استخدامها في نقوش المسند على شواهد قبور شرق الجزيرة العربية (جنبا الى جنب وبدون شذود مع كلمة “قبر”)، ظن المستشرقون ان معنى هذه الكلمة هو “شاهدة قبر” اسوة بالنقوش العبرية والارامية، على حد اعتقادهم. وذلك رغم عدم وجود اي دليل نبطي او عربي او اسلامي يثبت هذا الاستخدام. وقد بينت في نقاشي لنقوش ام الجمال، مديبة، وستراسبورغ كل هذا. ومن بين القائمة الطويلة لاستخدامات ومعاني المفردة “نفس” في اللغة العربية (كما جاء في الشروح المسهبة لعلماء الحضارة العربية الاسلامية ممن تفصلهم بضعة قرون فقط من النمارة) لم نجد استخداما لها  بمعنى “نصب تذكاري” او “نصب جنائزي” او “شاهد قبر” على الاطلاق. اضف لذلك ان لدينا نقشين نبطيين اقدم عهدا من نقش النمارة ببضعة عقود وعثر عليهما في نفس الموقع، اضافة الى اعداد وفيرة من نقوش المسند والنقوش النبطية الاخرى على القبور، وجميعها ادرج كلمة “قبر” تحديدا. فلِم يخالف اذن نقش النمارة هذا التقليد السائد عبر استخدامه لكلمة “نفس” وحدها عند الاشارة لقبر؟
كما ان انفراد نقش النمارة او قلة غيره باستخدام كلمة نفس لوحدها في مستهل النص يجب ان لا يعني بالضرورة استخدامها بمعنى شاهدة قبر، خاصة وان جميع النقوش النبطية كانت قد استخدمت هذه الكلمة  بمعنى مختلف. بل انني ارى ان  حقيقة استخدام نقش النمارة لكلمة “نفس” على خلاف نقش ام الجمال الذي استخدم كلمة “نفسو” بحرف الواو هو بحد ذاته معلومة في غاية الاهمية تتطلب الدراسة والتمحيص. اضف لذلك ان حجر النمارة لا يشبه ابدا في شكله الفيزيائي اي من الاحجار النبطية وغير النبطية التي قال المستشرقون ان مفردها كان يسمي “نفش” بمعنى “نصب قبر”. في اعتقادي ان كلمة “نفس” في سياق نص النمارة جاءت بمعنى “روح” وهذا هو الاستخدام الاكثر شيوعا للكلمة، او “دم” وهو الاستخدام الاقل شيوعا الا انه استخدام منسجم تماما مع الاحداث المحيطة بالهزيمة الدموية لامرؤ القيس في معركة الحيرة. فكما سنبين لاحقا بتفصيل مسهب عند قراءتنا لهذا النقش، ان محتوى نصه الاجمالي من فقرات وجمل ومعلومات عن الاحداث المعاصرة له لا تنسجم قط مع ورود كلمة نفس بمعنى “شاهدة قبر”، سواء اعتمدنا اللغة العربية الفصحى او اللهجة العربية النبطية في قراءته.
من الواضح ان قراءتي لكلمة نفس بمعنى “روح” سيترك احتمالين فقط لمعنى الكلمة السابقة “تي”، اذ قد يكون القصد من استخدامها القسم او اليمين بروح او دم امرؤ القيس، وهي عادة شائعة حتى يومنا هذا، او قد يكون القصد من استخدمها جلب انتباه القارئ لعظمة روح امرؤ القيس وتمجيده قبل الدخول في الموضوع الاساسي الذي كتب من اجله النص. فمن المعروف عن عرب الجاهلية انهم درجوا على افتتاح خطابهم بجمل استهلالية قبل الدخول في صلب الموضوع وقد سار المسلمون العرب على منوال اسلافهم فاستهلوا خطابهم بقسم يشد الانتباه للخالق تعالى كالبسملة “بسم الله الرحمن الرحيم”. وتبعا لتحليلي هذا فانني اعتقد ان هناك اربع قراءات عربية محتملة لكلمة “تي”.
الاحتمال الاول والاكثر ارجحية هو “تَيا”، وهي كلمة مركبة من جزئين: “تاء” و”يا”. والتاء هي تاء القسم كما في تالله. اذ وبالرغم من اقتصار دخول تاء القسم على اسم الجلالة فقط، بعد الاسلام، الا انها كانت قد استخدمت بكثرة قبل الاسلام، كما في استخدامهم “تحياتك” عند القسم بحياة شخص ما، او “تربّ الكعبة” عندما اقسمو برب الكعبة في مكة. (4)(13) وليس مستبعدا انهم كانو قد استخدموا ايضا “تَيا رب الكعبة”. اما المقطع الثاني “يا” فهو حرف نداء يراد به التنبيه كما في “يا الله” , “يا فلان” او “يا عراق”. وبذلك تكون قراءتي للكلمتين الاوليتين من نقش النمارة حسب الاحتمال الاول “تَيا نفس” كما في استخدامنا “قسما يا نفس” او “بك يا نفس” او “باسمك يا نفس” وهذا كله يعني “قسما يا روح امرؤ القيس”.
اما الاحتمال الثاني، وهو احتمال وارد جدا، ان “تي” كانت تقرأ بمقطعيها “تيا” ايضا ولكنها كانت تستخدم كحرف للتبيه. اذ دوّن ابن منظور في لسان العرب استخدامات عديدة لحرف النداء “يا” مركبا باحرف اضافية قبله، وجميعها كان يستخدم بمعنى حرف النداء “يا”. ربما اضاف العرب هذه الحروف لاضفاء عنصري التوكيد والتعظيم الى المنادى اليه او التفجع والندبة عليه اوالقسم به. وقد اعطى ابن منظور الامثلة “أيا” و”هيا” و”آيا” ولكنه لم يعطي “تيا” كمثال. (13) الا انني، واستنادا الى شرح ابن منظورعن تراكيب حرف النداء “يا”، اميل الى الاعتقاد ان “تيا” كانت قد استخدمت عند العرب ايضا كحرف للتنبيه ايضا، ربما لاضفاء عنصر القسم.
والاحتمال الثالث، وهو احتمال ممكن، ان تكون الكلمة “تي” بنفسها حرف القسم “تاء”، مثلها مثل حرفي القسم الباء والواو، ولكنها ذيلت بحرف الياء للدلالة على حركة الكسر. وفي هذه الحالة يمكن قراءة الكلمتين الاوليتين “تي نفس” بمعنى “بنفس “ونفس”. وتاء القسم تُحرك بفتحة وتتصل بالكلمة اللاحقة، عادتا، ولكن من غير المستبعد ان استخدم العرب قديما تاء القسم بالكسرة عند دخولها على اسم مؤنث مثل “نفس”. وهذا الاستخدام سيكون متوافق كليا مع اصول اللغة العربية قديمها وحديثها بربط حركة الكسر وحرف التاء بالاسماء المؤنثة. (13) ربما الحق كاتب النمارة حرف الياء بعد تاء القسم لصعوبة نطق التاء المكسورة مع كلمة نفس، او بدلا من الكسرة الطويلة، والاخير تقليد شاع استخدامه في الشعر العربي قبل تحريك الكتابة العربية وحتى بعدها.
اما الاحتمال الرابع والاخير فان كلمة “تي” كانت “تيا” ذاتها ولكنها اتت بمعنى “طوبى” او “تحيا”. وفي حالة “تحيا” من الجائز ان النقش اراد عبارة “تحيا نفس” ولكن حرف الحاء الذي يلي التاء كان قد سقط سهوا لخطأ في نسخ الكلمة او غير ذلك. ولكن الاحتمال الرابع هذا وبالمعنيين مستبعد جدا لعدم عثوري على دليل يوثق استخدام “تي” او “تيا” بهذا المنحى، اولا، ولان معنى كلمة تحيا لا يقال عموما للميت وانما لمن هو على قيد الحياة.
بدون ادنى شك، ان قراءة الكلمتين الاولى والثانية لنص نقش النمارة هي الخطوة الحاسمة لقراءة بقية النص. وبناءا على احتمالاتنا الثلاثة الاولى لقراءة “تي” اعلاه، وجميعها بمعنى بادئة للقسم بروح امرؤ القيس، عموما، فان جملة القسم الاستهلالية الناتجة لابد ان يعقبها اعلان هام او واقعة رئيسية وليس فقرة طويلة تعدد احداث ووقائع تأريخية. اما في حالة الاحتمال الرابع الذي لا يتضمن معنى القسم فمن الجائز سرد عدد من الانجازات المتتالية زمنيا. الا انه وبعد اعتماد ايا من احتمالات قراءة “تي” اعلاه، اصبحت امكانية ان تكون صخرة  النمارة “شاهدة قبر” امكانية ضعيفة جدا بالمقارنة مع ان تكون “نصب تذكاري”. كما ان اعتماد ايا من قراءات الاحتمالات الثلاث الاولى سيفتح المجال لقراءة مضمون باقي النص بشكل مختلف جذريا عن القراءة الحالية، اذ سيصبح الاعتقاد واردا بعدها ان هذا النقش لم يكن عن امرؤ القيس اساسا.
تهجى دوسو الكلمة اللاحقة المثيرة للجدل في نص النمارة، “كله”، (واشرنا لها بالرقم 1) وترجمها حرفيا من النبطية للعربية بشكل صحيح، الا انه قرأها بالعربية “كله” بشكل خاطئ. والقراءة الصحيحة لها “كلها” فهي متعلقة بالكلمة السابقة لها “العرب” بمعنى قبائل او اقوام العرب، وفي كلا المعنيين تعامل الكلمة على انها اسم مؤنث على تأويل الطائفة. (22) اما المهمة الصعبة الثانية في قراءة السطر الاول فقد كانت تحرّي معنى ومغزى استخدام كلمة “ذو” والكلمتين التاليتين لها. وقد اشرنا لهم جميعا بالرقم 2 في قراءة دوسو. من بين استخداماتها العديدة، تستخدم “ذو” في العربية في لقب او كنية بمعنى “صاحب” او “وله”، او بمعنى “يعود الى” او “من”. وفي كلتا هاتين الحالتين يجب ان يتبعها اسم ظاهر. كما يمكن ان تستخدم “ذو” احيانا كاسم موصول بمعنى “الذي” وفي هذه الحالة يجب ان يتبعها فعل. اما في نقش النمارة فكانت الكلمة التالية اما “أسد” بمعنى “الأسد” او “أسر” بمعنى “أسّرَ” اي اوقع فلان في الاسر. وانا اميل الى الاعتقاد بان الكلمة المناسبة في سياق قراءة النص هي الاسم “أسد” وما سبقها كانت اما “ذو” المتداول استخدامها في الكنى والالقاب العربية او “ذو” بمعنى “الذي ينتمي الى”، وليس “ذو” بمعنى كلمة الوصل “الذي”، كما ذهب العديد من المستشرقين والباحثين.
وتبعا لقراءتي اعلاه تكون العبارة “ذو أسد التاج” لقب او كنية بمعنى “مالك أسد التاج”، مما قد يشير الى صورة او نحت لصورة اسد يزين قمة تاج فعلي، او بمعنى “الذي ينتمي الى أسد التاج” في اشارة الى قبائل أسد التي ملكت التاج او التي تقلّد ملوكها التاج، وهذه حقيقة تاريخية معروفة.
ولكي نقرأ “ذو” بمعنى اسم الموصول “الذي” كما اراد لها دوسو، لتحقيق المعنى العام  لقراءته وجميع القراءات اللاحقه للنص، يشترط علينا الحاقها بفعل، وهذا للاسف ما تهافت عليه العديد من القراءات. حتى ان بعضهم قرأ الكلمة على انها الفعل  “أسَرَ” او “أسّرَ” او “أسَدَ” زاعمين ان الكلمة التالية، “التاج”، والتي يكمن تتبع حروفها بسهولة، هي في الواقع “الثاج” او “الثئج” اشارة الى المدينة التاريخية المعروفة المكتشف اثارها قرب مدينة الظهران الحديثة. نذكر القارئ ان نقش النمارة لم يكن منقطا ولم يتضمن حروف الالف التي تضيفها العربية حديثا. ولكن وحتى لو افترضنا انها كانت حقا مدينة ثاج، فمن غير الصائب اضافة ال التعريف لها وتسميتها “الثاج”. فالشعر العربي لم يعرّف اسم مدينة كنجران او ثاج بال التعريف ابدا. اضافة الى هذا، يلزم في اللغة العربية ان يكون مفعول الفعل أسر (او أسّر) اشخاصا وليس مدينة. فمن الجائز اخذ مجموعة من الاشخاص، وخصوصا الجند، كأسرى ولكن لا يمكن تأسير مدينة باكملها!
ولضعف القراءات هذه، انبرى بعض الباحثين باقحام  فرضيات عقيمة لدعمها. فمنهم من زعم ان كلمة “التاج” هي في الواقع كتابة تأريخية لكلمة “التاجيين” نسبة الى قبيلة افترضوا وجودها او “الثاجيين” سكان مدينة ثاج. بيد اني لم اعثر في تتبعي لنقش الكلمة في الحجر على اية اثر للحرفيين او الثلاث الاضافية المطلوبة لكي تصبح كلمة “التج”،  “التاجيين” او “الثاجيين”. وبما ان جميع الباحثين الذين قرأوا الكلمة على انها الفعل “أسر” كانوا قد قرأوا كل كلمة “ملك” لاحقة لها، وسابقة لاسم قبيلة ما، على انها الفعل “مَلَكَ”، يخطر في ذهننا تساؤلا مشروعا عن السر في اقتصار استخدام الفعل “اسر” على ثاج او الثاجيين، اذن. وكسؤال مباشر، لِم لم يستخدم كاتب النص الفعل مَلَكَ ايضا؟ فبلا ريب سيكون هذا الفعل اكثر ملائمة للمعنى المنشود.
برر المعترضين على قراءة كلمة التاج على انها الاكليل الذي يتوج به رأس الملك رأيهم بالقول ان ملوك العرب لم يأخذوا فيما اخذت به الامم من عادة لبس التاج. الا ان هذا ليس صحيحا. فالتاريخ يخبرنا ان بضعة من ملوك العرب الشماليين في الحيرة او حتى في نجد موطن قبائل بني اسد كانو قد وضعوا التاج على رؤوسهم. ولكن حتى لو لم يكن هذا صحيحا، نحن نعلم علم اليقين بان الملك امرؤ القيس كان قد قاد حملات متكررة على بلاد فارس التي شاع لبس ملوكها للتاج. ونظرا الى ان بلاد فارس قد اتخذت الاسد شعارا وطنيا لها عبر التاريخ لا يمكن ان نستبعد امكانية استيلاء امرؤ القيس على احدى التيجان التي زينت قمته بنقش لصورة اسد. اذ ربما اكسبه هذا التاج لقب “ذو اسد التاج”، اي صاحب التاج المزين باسد، وهذه عبارة عربية سليمة ورصينة في قواعدها والفاظها اللغوية. وبناءا على ما وصلنا من كتابات مؤرخي الحضارة العربية الاسلامية فان امرؤ القيس كان شهيرا بامتلاكه لالقاب ومسميات عديدة. وعرف اطلاق الالقاب على الاشخاص وخصوصا القادة والملوك هو عرف عربي سائد منذ سحيق الازمان، مرورا بالعصر العباسي وغيره من العصور، بل وحتى يومنا هذا. اذ سيكون من غير المعقول ان يذكر نقش النمارة  اسم الملك امرؤ القيس بدون الحاقه بعدد من الالقاب والمسميات التي امتلكها عبر تاريخ حكمه. من المؤسف، ان لقب “ذو اسد التاج” المذكور في النمارة لم يرد مع القابه العديدة الاخرى في كتابات المؤرخين المسلمين عنه. (14)(30)
في عنادهم المرير من اجل اثبات صحة قراءة دوسو لمغزى نقش النمارة، افترض عدد من الباحثين ان الفعل “اسر” بعد كلمة “ذو” جاء مرادفا في معناها للفعل “نال”. وهؤلاء الباحثين لم يختلفوا في قراءة الكلمة التالية على انها “التاج”، كما اقرءها انا وكما قرأتها الاغلبية، اي “الاكليل”. وبذا تكون العبارة ذات الكلمات الثلاث حسب قراءتهم، “الذي نال التاج”. ولكن، وبكل صراحة، انا لم لم اعثر على اية قرينة في مصادر العربية الاساسية تؤكد استخدام الافعال المفترضة، “اسر” او “اسد”، بهذا النمط.
اما بلمي فقد قرأ عربيا، بعد تعقبه ورسمه الجديد للحروف النبطية في نهاية السطر الاول، اربع كلمات: “ولقبه ذو أسد ومذحج”، اي ولقبه مالك قبائل أسد ومذحج. وانا اوافقه الرأي في ان الشكل الحرفي النبطي المعقد بعد كلمة أسد قد يكون حرف الواو بالنبطية. ولكني اخالفه في تعقبه لحروف الكلمة التي تليها، مذحج. اما سؤالي الاكثر اهمية في اختلافي معه، لِم التجأ كاتب النمارة الى اخبارنا ان امرؤ القيس مَلَكَ أسد وهزّم مذحج لاحقا (بحسب قراءة بلمي للسطر الثاني) بعدما عددها بتفصيل في لقبه في السطر الاول، كما ذهب بلمي؟ كما ان حقائق التأريخ لم تذكر ابدا ان امرؤ القيس كان قد استطاع اخضاع قبائل اليمن. انني ارجح قراءة بلمي الجديدة لشكل حرف الالف النبطي  في كلمة “التاج” على انه حرف واو نبطية. وبذا تكون عبارة “ذو أسد التاج” قد كتبت “ذو أسدولتاج” بشكل مطابق تماما لما اتبعه كاتب النمارة في تهجي اسم امرؤ القيس، “مرءلقيس”، وكما ساتناوله لاحقا، تهجيه العبارة فرسان الروم، “فرسانولروم”. علينا القول اخيرا، حتى لو كانت قراءة بلمي للكلمات الاخيرة في السطر الاول صائبة فانها لا تتناقض مع قراءتي لكلمة “ذو” بمعناها المتعارف عليه وليس بمعنى “الذي”، وهي بذلك قراءة متلائمة مع قراءتي للعبارة كاحدى القاب الملك.
السطر الثاني
في تقديري، ان مهمة قراءة وفك معاني الكلمتين الاوليتين والكلمات الثلاثة الاخيرة للسطر الاول هي من اكثر المهام الشاقة في قراءة نقش النمارة عربيا. اذ، وبالمقارنة، فان قراءة بقية النص ومعرفة مضمونه مهمة سهلة. فكما اسلفنا، وبكل بساطة، لو كانت “ذو” تعني اسم الموصول “الذي” سيتحتم على القارئ ترقب مجموعة من الافعال المتتالية والمتصلة ببعضها البعض عبر واو العطف، وهذا ما اتبعته القراءات السائدة اليوم للنقش. اما لو كانت “ذو” بمعناها السائد كمفردة مستخدمة بكثرة في بناء الالقاب، سيتحتم على القارئ ترقب مجموعة من الاسماء والصفات المتتالية والمتصلة ببعضها البعض عبر واو العطف، ومن ثم الاعلان عن حدث او انتصار او قرار استثنائى واحد او اكثر، وهذا ما تذهب له قراءتي للنقش. وحقيقة ان امرؤ القيس كان ملكا على قبائل اسد ونزار ليس بالخبر الاستثنائي اطلاقا لكي تعلنه النمارة للملئ. وفي الحالة الثانية لقراءة “ذو”، فقط، يمكننا ان نبتدأ جملة فقرة الحدث بحرف واو (ليست واو العطف في هذه الحالة) الملحقة عادة بغير الفعل كما في “واخيرا” او “وقد”. الا ان من المكن الحاقها باسم ايضا، اذ وردت في القران الكريم آيات عديدة سبق فيها حرف الواو اسما كما في الاية الكريمة “والنجم اذا هوى”.
انني اعتقد ان الخطأ الفادح الذي ارتكبته القراءات السائدة اليوم كان قراءة كلمتي “ملك” في السطر الثاني والسطر الثالث، بمعنى الفعل “مَلَكَ”، كما اراد لهما دوسو، خاصة وان الاولى كانت  قد سُبقت بوضوح بحرف الواو. اما انا فاقرأها في كلتا الحالتين على انها الاسم الصفة “مَلِك”، كما قرء الجميع الكلمة ذاتها والمكررة في السطر الاول ايضا في عبارة “مَلِك العرب”. نود هنا تسليط الضوء على بعض المعلومات التأريخية بخصوص أسد ونزار والتي يمكن لها تفسير استخدامات نص النمارة. صنف بحاثة الحضارة العربية الاسلامية في كتاباتهم قبيلتي بني أسد في نجد وبني نزار في الحجاز على انهم من العرب المستعربة (العرب المختلطين بغيرهم) وليس العرب العاربة (العرب غير المختلطين بغيرهم). واضافو ان العرب المستعربة انحدرو من نسل عدنان، والعرب العاربة كانو من نسل قحطان. وتبعا لتصنيفاتهم فان عدنان الذي يرجع اصله الى اسماعيل هو اب (والبعض قال جد) نزار في الحجاز ومعد في اليمن والجد الاعظم لمضر ايضا. وتبعا للفترة الزمنية، اطلق العرب على ابناء هؤلاء الثلاث واحفادهم وعلى قبائلهم وشعوبهم بل وحتى مواقعهم الجغرافية اسماء مثل معد او نزار او مضر، بدلا من عدنان. (2)(28) انني اعتقد ان كاتب النمارة بعد ان اعلن ان امرؤ القيس هو ملك العرب (اي العرب العاربة، وهم اكبر الاقوام العربية عنذاك في الجزيرة العربية) اراد ان يضيف ان امرؤ القيس كان ايضا ملك أسد ونزار اكبر قبائل العرب المستعربة الثلاث في الجزيرة العربية. اما القبيلة الثالثة فهي قبيلة معد في اليمن. انني اعتقد ايضا، وهذا احتمال وارد جدا، ان تسمية العرب كانت تطلق غالبا (او حصرا) في عصر النمارة على القبائل البدوية المترحلة التي لم تستوطن المدن ولم تؤسس الممالك. وهذا الاستخدام ليس غريبا عند مقارنته باستخداماتنا المعاصرة  (في العراق مثلا) لكلمة “العرب” عند الاشارة الى العشائر التي لا تتوطن المدن. وهذا الاستخدام لايعني بطبيعة الحال ان سكان المدن ليسو من العرب (كما ذهب العديد من المستشرقين) ولكنه يدل على استعمال العرب قديما لهذه الكلمة كمرادف بمعنى الاقوام التي لا تتزاوج  مع غيرها او الاقوام المستقلة نسبيا. (1)
وفقا لقراءتي للكلمة “ملك” المذكورة اعلاه كأسم للوصف، خامرني الشك منذ البداية بان حرف الواو بعد كلمة “ملوكهم” لا بد ان يكون جزء من الكلمة نفسها. اذ سيجعل هذا قراءة السطر الثاني اكثر سلاسة وانسيابة، خاصة وان الكلمة التالية بعد الواو كانت “هرب” وهي بلا ادنى شك فعل، كما سنرى لاحقا. ولكن قراءتي للواو كجزء من كلمة “ملوكهم” ليست ضرورية او حاسمة لاثبات صحة قراءتي لسطري النص حتى هذه الكلمة. اذ وكما اوضحت اعلاه ان بالامكان استهلال جملة خبرية عن حدث استثنائي كهزيمة مذحج القوية بحرف الواو للدلالة على معنى “واخيرا” او “وهكذا” او “هاقد”. ولكن وبعد تفحصي وتدقيقي لحروف النص العربية عبر صور مقربة ومفصلة وجدت ان حرف الواو بعد كلمة “ملوكهم” كانت متصلة بها حقا. فخط الواو النازل لم يكن عموديا تماما بل منحرف الى اليمين باتجاه الكلمة. كما ان اسفل حرف الميم الاخير في كلمة “ملوكهم” ينتهي بخط بارز يخفت بالتحديد قبل التقائه بخط الواو النازل. انني بذلك اقرأ هذه الكلمة “ملوكهمو” وليس “ملوكهم”. وقد اضيفت هذه الواو الى الكلمة في اشارة واضحة الى ابناء قبائل أسد ونزار. وتسمى هذه الواو في قواعد اللغة العربية بواو الاشباع او واو الصلة وتاتي عادة لاشباع حركة الضمة في ميم الجمع. اعتقد بثقة ان كلمة “ملوكهمو” كانت الكلمة الاخيرة من جملة افتتاحية واحدة لا يمكن تجزيئها لنقش النمارة. وهي لا تختتم فقط جملة افتتاحية وضعت كمقدمة ضرورية قبل الدخول بالموضوع الاساسي للنقش، ولكنها تثبت لنا ايضا استحالة قراءة الكلمة الاولى للنمارة، “تي”، بمعنى “هذه”.
ربما تكون الكلمة التالية بعد “ملوكهمو” عند قراءتها بالحروف النبطية، “هرب” او “هذب” وفي كلتا الحالتين هي بصيغة الفعل. الا ان جمع الدارسين كان قد اتفق على قراءتها الفعل “هرب”. وبما ان الكلمة التي تليها قرأت بدون شذوذ على انها اسم قبيلة مذحج البارزة في اليمن، ينبغي ان يكون الفعل السابق بصيغة الماضي، ويلزم علينا اضافة حركة الشدة على حرف الراء لتغدو “هرّب” في اشارة الى الفاعل الذي ادى الفعل، وهذا ما لم يختلف عليه اي من قراء النمارة. واذا كانت مذحج هي المفعول به كما اعتقد الجميع يلزم ان يكون الفاعل اما متقدما او متأخرا عن الفعل. وهناك احتمال اخر قابل للنقاش، لا غير، وهو ان تكون مذحج فاعل وليس مفعولا به. ولكن في هذه الحالة، ولان مذحج اسم مؤنث، كان ينبغي على الكاتب اضافة تاء التأنيث بعد حرف الباء في “هرب” لتصبح “هربت مذحج”، ولعدم وجود التاء هذه لا بد ان الفعل كان هرّب، وان مذحج هي المفعول به. اما كلمة “هذّب” فهي لاتتفق منطقيا مع المضمون الواضح للسطر التالي.
ونظرا لان الفعل “هرب” كان الكلمة الاولى من الجملة الاولى من الفقرة التي تعلن حدث ما وكان قد جاء مباشرتا بعد انتهاء جملة افتتاحية غير ذات صلة بذلك الحدث، ونظرا لانه كان متبوعا باسم “مذحج” وهو المفعول به، ليكون شبه جملة ثلاثية من فعل وفاعل ومفعول به، لابد اذن ان تكون الكلمة التالية التي حيرت جميع الباحثين منذ اكثر من قرن، الا وهي “عكدي”، اسم الفاعل، وذلك وفقا لمبادئ اللغة العربية. اذ من المحال ان تكون صفة او حال لان شبه الجملة المتكونة من الكلمتين السابقتين ستكون ناقصة. بالرغم من اتفاقي مع الترجمة الحرفية عن النبطية لعبارة “هرب مذحج عكدي”، كما جاء بها دوسو واكدها جميع من قرأ النمارة، الا انني اختلف معهم في قراءة مضونها عربيا، اذ انني اقرأ الجملة بمعنى “هرب عكدي مذحج” حيث “عكدي” هو الفاعل الذي هزم “المفعول به” مذحج. فكما نعلم جيدا ان من الجائز جدا في اللغة العربية استخدام الجملة بكلتا الصيغتين على ان نميز بينهما باضافة الحركات الصوتية للفاعل والمفعول به، ووضع الحركات في الكتابة هذا لم يعمل به الا في حقبة العصرالاسلامي. وهنالك العديد من الامثلة المشابهة في ايات القرآن الكريم والشعر العربي، قدمت المفعول به على الفاعل ومنها الاية القرآنية الكريمة (35:28) “انما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ” وفيها تم تقديم اسم الفاعل وهو “العلماءُ” على المفعول به، اسم الجلالة الله. (18)(19)
وعلى سبيل البحث والجدال فقط يمكننا الافتراض ايضا ان عكدي كان اسم المفعول به في عبارة “هرب مذحج عكدي” وان اسم مذحج ليس اسم قبيلة وانما اسم علم وهو الفاعل. اي في هذه الحالة سيكون عكدي اسم الشخص المهزوم او لربما اسم القبيلة المهزومة. ورغم ان هذا الاحتمال سليم في استخدامات اللغة والنحو الا انه لا يتفق اطلاقا مع مضمون السطر الاخير حيث كرر النقش استخدام كلمة “عكدي” وتحدث عن بطل منتصر، سواء كان هذا عكدي (حسب قراءتي للنص) او امرؤ القيس (حسب جميع القراءات الاخرى للكلمة على تنوعها). كما لا يجوز الافتراض ايضا ان عكدي كان اسم الاب او العائلة كما في هرب “مذحج عكدي” لان هذا لا يتماشى مع بقية محتوى النص او مع تقاليد العرب باستخدام كلمة “بن” بين الاسمين.
ورغم ان تكرار كلمة “عكدي” كانت مصدر ارق دائم لكل من قرأ النمارة، الا انني ان اعتقد ان تكرارها هذا كان من حسن حظ الباحثين. حيث ابتدأ السطر الاخير الذي كرر استخدام هذه الكلمة، بعبارة “عكدي هلك”. ونحن نعد هذه العبارة بالذات دليلا قاطعا بان عكدي هو اسم علم لشخص وان هذا النقش يتعلق به وليس بامرؤ القيس. اذ ان الاعلان الرئيسي في النقش كان حدث انتصاره في معركة مع قبائل مذحج. ورغم اتفاقنا ان الاسم عكدي ليس اسما شائعا الا انه يبدو لنا اسم عربي تقليدي وتأريخي سليم رغم ندرته. فقد صيغت مئات الاسماء العربية باضافة الياء في نهايات اسماء علم اخرى او بعد اسم اخر مشتق من مصدر ثلاثي الحروف كما في اسم “رمزي” المشتق من “رمز” و”سعدي” من “سعد” و”حسني” من “حسن” …الخ.  واسم بطل النمارة مشتق من مفردة عربية تقليدية معرفة وهي “عكد”. هكذا وبكل بساطة! اذ يمكن للقارئ الكريم وبعد قيامه ببحث بسيط عن كلمة عكدي عبر محركة غوغول العربية ان يرى ان هذا الاسم الذي يبدو نادرا، اسم مستخدم فعليا بكثرة كاسم عائلة في واحة أوماش الجزائرية الواقعة في الصحراء الكبرى حيث الملايين من بقايا الهجرات العربية المتعددة قبل الاسلام! ورغم ان نقش النمارة ذكر اسم عكدي بدون اسم الاب او اللقب، على غير عادة العرب، الا ان هذه حقيقة ليست ذات اهمية، اذ يمكن لها ان تشير الى احتمالية ان عكدي كان احد مساعدي امرؤ القيس ولكن اصوله من العبيد، كما هو الفارس العربي المشهور عنترة (ويعتقد الكثيرون انه كان عبدا) او انه كان جندي عربي رفيع المستوى في القوات الرومانية البيزنطينية، وهذا ما ارجحه.
ووفقا لمعجم لسان العرب فان كلمة “عكد” تأتي بمعانٍ عديدة، لكن معناها الاساسي هو “اصل اللسان” او “قاع اللسان” ولهذا السبب قرأها المستشرق بربارسكي بمعنى “اصل”. وهي تأتي ايضا بمعنى “عِقد” من عقدة اصل اللسان المعروفة بقوتها. (7)(13) الا انها لم تأتي ابدا بمعنى “القويّ” او “شديد البأس” كما زعم بعض قراء النمارة استنادا لقراءة المستشرق كاسكيل، وانما استخدمت عند العرب بمعنى “اصل”. ويتبع ذلك ان معنى الاسم “عكدي” هو “اصلي” او “اصيل”. ولا ادري كيف وفق بعض قراء النمارة من مؤيدي المستشرق كاسكيل بقراءة ذات الكلمة “عكدي” بمعنيين وصيغتين مختلفتين تماما وفي نفس النص، وذلك عندما قرأوها بمعنى “القوي” (اي كلمة صفة) في السطر الثاني وبمعنى “بقوة” (اي ظرف حال) في السطر الاخير!
اما بلمي، والذي خصص حصة الاسد من قراءته لنقش النمارة لكلمة “عكدي” وجاء بقراءة جديدة مبتكرة اراد لها ان تكون انجازا استثنائيا يحل عقدة هذه الكلمة الغريبة مرة والى الابد، فقد قرأها “عكضى” كظرف حال، بمعنى “بعد ذلك” او “حينئذٍ”. ثم حاول بيأس اثبات انها كلمة مشتقة من عبارة عربية ذات كلمتين وهي “عن قضى” بعد ان أُدغم فيها حرف النون واستُبدل حرف القاف بالكاف واهمل نطق حرف الياء بنطقه كالف مقصورة. (7) وتبدو قراءة بلمي للكلمة كظرف حال قراءة منطقية، فقط عند اتفاقنا مع قراءة دوسو وتحليله لما سبقها في النص. ولكن الاتفاق مع فرضية بلمي الملتوية لتكوين هذه الكلمة المبهمة، “عكضى”، تثير في تقديرنا تساؤلات عديدة جديدة بدون اعطاء اية اجابات وافية. فمثلا لِم تعذر على نص مكتوب بلغة عربية جيدة استعمال الظرف “بعد ذلك” اوغيره بدلا من عكضى؟ ولِم خلت المراجع العربية التاريخية من اي اشارة الى التعبير “عكضى” كمرادف للمعنى “بعد ذلك”؟ وقبل كل شيء، لِم كرر كاتب النمارة ظرف حالٍ عديم الاهمية في سياق الكلام مرتين في نفس النص؟
انني اعتقد، وبعد تحليل القراءات السائدة للسطرين الاوليين من النمارة، ان كل من قرأهما حتى الان كان قد فوت فرصة ذهبية على نفسه لقراءة كلمة “عكدي” كاسم للفاعل.  وهذا بدون شك كان نتيجة مباشرة لانشغال الجميع  وعنادهم لاثبات مغزى  قراءة دوسو التي ادعت ان صخرة النمارة كانت شاهد قبر امرؤ القيس.
السطر الثالث
يستحق بلمي كل التقدير لفضله في استقراء كلمتين هامتين في مطلع السطر الثالث كانتا موضع جدال وخلاف بليغين قبله. وقد اشرنا للكلمتين على رسم دوسو بالرقمين 4 و5. وقد تاكدت شحصيا من صحة رسمه لحروف الكلمتين نبطيا ومن ترجمها الحرفية للعربية. اذ تهجى بلمي الكلمة الاولى بالنبطية “يزجه” وقرأها صائبا بالعربية “يزجها”. وقد كانت بدون حرف الالف بعد الهاء بما يتطابق مع التهجي النبطي لكلمة “كله” في السطر الاول بدلا من “كلها” ومع كلمة “بنيه” في نهاية السطر الثالث بدلا من “بنيها”. والفعل “يزج” له معانٍ مختلفة في العربية الا انه وفي سياق النمارة كان قد استخدم بمعنى “يشتبك في قتال شرس”. دوسو تهجى حروف الكلمة بالنبطية “بزجي” وترجمها عربيا الى كلمة “بزجاي”، وهي كلمة لا وجود لها في اللغة العربية او اي من لهجاتها! اما الكلمة الثانية التي تتبعها بلمي فقد كانت “رتج” وقرأها بالعربية على انها “رُتُج” بمعنى “ابواب” وهو احد معاني الكلمة في العربية حقا. الا انني ورغم اتفاقي معه في تهجي وقراءة الكلمة لا اتفق مع المعنى الذي وضعه لها. فوجود حرف الجر “في” بدلا من “على” قبلها يشير الى انها لم تاتي بمعنى “ابواب” في سياق النص. فحرف الجر “في” يتطلب وجود الشخص جسديا في داخل، وليس على مقربة من، موقع ما. اذ ليس من السائغ نحويا ان نقول” في ابواب نجران” والاصح ان نقول “على ابواب نجران”. انني اقرأ الكلمة “رُتُجِ” بمعنى “ازقة” او “رِتاجِ” بمعنى “زقاق”. وقد ورد في كتاب لسان العرب ان الكلمتين “رُتُجُ” او “مَرَاتِج” كانا قد استخدما عند العرب كصيغة جمع للمفرد “رِتَاج” بمعنى “الطرق الضيقة”، كما في الاية القرانية الكريمة “وارض ذات رتاج”. (13) وقراءتي هذه ليست القراءة الوحيدة في التزامها بقواعد اللغة العربية السليمة فحسب، وانما هي قراءة متطابقة ايضا مع الحقائق التاريخية والجغرافية عن بلاد اليمن وتحديدا منطقة نجران وكلتاهما معروفتان بطرقها الضيقة ووديانها الوعرة. ويظهر واضحا ايضا بعد قراءتي هذه سبب اختيار كاتب النمارة الفعل “هرب” في السطر الثاني من النص. اذ وعلى مايبدو ان مقاتلي مذحج كانو قد هربو الى مدينة نجران وتحصنو في ازقتها وشعابها الضيقة، بعد ان خسرو معركة طاحنة خارج المدينة.
قرء المستشرقون وغيرهم كلمة “شمر” الواردة في هذا السطر لوحدها دون الحاق الواو التابعة لها مباشرة، ملمحين بذلك على ما يظهر الى قبائل “شمّر” المعروفة، والقاطنة شمال نجد. وفي اعتقادي، ان اعتبار القراءات الاستشراقية السائدة اليوم لهذه الكلمة اسم قبيلة بدلا من اسم شخص معين، كان نتيجة مباشرة لقراءتها كلمة “ملك” التي جاءت بعدها وبعد الواو على انها الفعل “مَلَكَ”. وهذه القراءة المتعجلة هي مثالا اخرا لمحاولات المستشرقين لبذل كل ما في وسعهم لبرهنة اطروحة دوسو بان نص النمارة اراد استعراض انتصارات ومنجزات امرؤ القيس.
الا ان هناك حقيقتين واضحتين تدعمان صحة قراءتي لكلمة “شمر” على انها اسم شخص. اولا، ومن الناحية الجغرافية، وتحديدا فيما يتعلق بالموقع والمسافة، ليست هناك اية علاقة بين قبائل شمّر بمناطق نجران او اليمن. وثانيا، حَكَمَ اليمن في زمن كتابة نص النمارة ملك معروف، اسمه الاول، اعتمادا على مصادر العرب، شمر. (2)(6)(14) علاوة على ذلك، وبما ان كاتب نص النمارة كان قد اضاف حرف الواو بعد جميع الاسماء المذكورة في النص (كما في عمرو، نزارو، مذحجو، معدو)، يجب علينا ان نتسائل بمشروعية: لِم تجاهل كاتب النمارة هذا التقليد عند كتابته اسم شمر! انا اقرأ كلمة شمر والواو اللاحقة لها ككلمة واحدة الا وهي “شمرو” في اشارة واضحة لملك اليمن “شِمر يرعش”، وبناءا على قراءتي هذه فان الكلمة التالية هي الاسم الصفة “مَلِك” وليست الفعل “مَلَكَ.”
الكلمتين الاخيرتين في السطر الثالث كانا، حسب قراءتي العربية لرسم دوسو لحروفهما النبطية، “وبيّن بنيها” اي “ميّز بينَ بَنِيها”. وقد قرأها بلمي “ونَبَلَ بِنَبَهٍ” اي “عامل نبلائها بلطف”. وتفسيره هذا ملائم تماما لقراءته وقراءتي للسطر الرابع الذي تضمن كلمتين مهمتين اولاهما “الشعوب” وثانيتهما “ووكلهنّ”. فحسب قراءتي ميز المنتصر بين اسراه من الطرف المهزوم (كمراعاته للنساء والاطفال وكبار السن ومعاملتهم بشكل مختلف) وهذا على غير عادة ارتكاب المذابح بلا تمييز بعد الانتصار. او بعبارة بلمي المتشابه في معناها مع عبارتي، انه عامل الاشراف وكبار السن معاملة نبيلة.
قد يكون تتبع بلمي الحرفي للكلمة النبطية الاولى واعتقادة انها كانت “نبل” بمعنى “نَبَلَ” صحيحين. الا انني اقرأها الفعل “بين” كما قرأها دوسو، على الرغم من ان الخط العمودي لحرف النون النهائية في هذه الكلمة كان مرتفعا على غير العادة. ويأتي فعل “بيّن” بصيغة الماضي في اللغة العربية بمعنى “ميّز” او قد يعني “وضّح”. ومن امثلة استخداماته ما ورد في الاية القرانية الكريمة (2:118) “قد بيّنا الايات لقوم يوقنون”.  وكلمة “بين” ثلاثية الاحرف هي مصدر وجذر الفعل “بيّنَ”، وهي من الكلمات العربية النادرة التي تعطي معنيين متضادين. فهي تستخدم اما للدلالة على الانفصال او على الارتباط.
الا ان تتبع بلمي للكلمة الثانية واعتقاده انها كانت “بنبه” بمعنى “بِنَبَهٍ” امر مستحيل، اذ ان الحرف النبطي الثالث للكلمة كان حرف ياء واضح جدا، وليس حرف باء. ووفق تتبعي لحروفها النبطية كانت هذه الكلمة “بنيه”، وينبغي تلفظها “بَنيها” وذلك بمعني “ابنائها”، مثل كلمتي “كلها” و”يزجها” السابقتين كما اسلفنا. وهذه الكلمة تشير اما الى قبائل مذحج او معد، وكلتاهما اسماء مؤنثة. وقد قرأ دوسو هذه الكلمة عربيا “بَنْيِهِ” بمعنى “قوتهِ”، اي بمعنى الارتباط. وقد تكون قراءته هذه سليمة لغويا بل وحتى في مغزاها عند ربط مغزى هذه الكلمة مع مغزى الكلمة اللاحقة لها في مطلع السطر الرابع، “الشعوب”، الا ان استخدام النص لكلمة “الشعوب” بدلا من “للشعوب” يجعل هذه القراءة غير سليمة نحويا، ومتناقضة لغويا مع بقية النص المكتوب بلغة عربية واضحة في مستواها النحوي الرصين. فلتحقيق مغزى دوسو في قراءته عبارة “بين بنيه الشعوب”، كان على كاتب النمارة القول “بين بنيه للشعوب” لاعطاء المعنى المنشود، “بيّن بَنْيِهِ للشعوب”.
السطر الرابع
تميز السطر الرابع عن بقية السطور بسلاسته في القراءة. ورغم ان دوسو كان قد قرأ مضمون السطر بشكل صحيح في بداية القرن العشرين الا انه عدل عن رأيه  لاحقا عند اعادة قراءته للنص بعد بضعة عقود. انا اتهجى كلمة “وكلهن” الواردة في هذا السطر كما تهجاها دوسو عن النبطية واقرأها عربيا “وكَّلَهُنَّ”، بمعنى “وضعهم تحت حماية فرد او جهة ما”، وهذه كلمة عربية فصحى وسليمة نحويا. (13) وكما هو متوقع في نص عربي فصيح، خت كاتب النمارة الفعل بحرف النون، وهي النون المشددة الواجب استخدامها عند الاشارة تحديدا لكلمة سابقة بصيغة الجمع المؤنث، ككلمة “الشعوب” التي استخدمها النص. والشعوب هي ثاني اكثر المصطلحات التصنيفية في نظام القبائل العربية قديما ويستخدم مفردها في عصرنا هذا كمرادف لكلمة “قوم”. اذ قسمت العرب كل قبيلة الى “شعوب”، ومفردها “شعب”، ثم قسمت كل شعب الى “بطون”. وعودتا الى كلمة “وكلهن” ندعو القارئ الكريم الى تفحص الاستخدمات اللغوية ومعانيها في الاية الكريمة (9:36) “ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والارض منها اربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن انفسكم”. فكلمة “فيهن” تشير الى كلمة بصيغة الجمع المؤنث، وهي “شهور” مما تطلب اضافة نون النسوة في آخرها. (18)(19) و”شهر” هو اسم مذكر مفرد ولكن عند جمعه يغدو ” شهور” ويصبح اسما مؤنثا. وبالمثل الاسم “شعب” اسم مذكر مفرد ولكنه عند الجمع يصبح “شعوب” وهذا اسم مؤنث. ويمكن لقواعد نون النسوة هذه ان توضح لنا ايضا، ولو جزئيا، سبب استخدام كلمة “كلها” عوضا عن “كلهن” او “كلهم” عند الاشارة الى اسم المفرد المؤنث “العرب”، او سبب الاشارة الى قبيلة مذحج، وهذا اسم مؤنث مفرد، بكلمة الفعل “يزجها” بدلا عن “يزجهم” او “يزجهن” والاشارة بكلمة “بنيها” وليس “بنيهم” او “بنيهن”.
اثارت عبارة “فرسولروم” اللاحقة في السطر الرابع وفقا لترجمة دوسو الحرفية من النبطية، ولا تزال، نقاشا وخلافا واسعين بين الدارسين. وقد اعطاها دوسو قراءة عربية ركيكة وغير مقنعة، الا وهي “فارِسولِروم”. ومقطع العبارة الاول المتكون من احرف ثلاث “فرس” قد يكون كلمة “فَرَس” (بمعنى الحصان) او كلمة “فارس” (من الفروسية) او كلمة “فُرس” ( اي بلاد فارس). بوضوح، يمكننا حذف احتمالية استخدام الكلمة بمعناها الاول لانعدام الصلة بموضوع النص. وعند قراءة التاريخ بشكل موضوعي نرى ان من غير الوارد ان نستنتج ان هذه الكلمة قد قُصد بها بلاد فارس لان الكلمة التي سبقتها كانت “ووكلهن” والكلمة اللاحقة لها كانت متعلقة بالروم. اذ لم يحدث في تاريخ العرب القديم ان خضعت احدى مناطقهم لنفوذ الفرس والروم في آن واحد. وكما ذكرت انفا، خلال فترة كتابة النمارة التي عثر عليها في مقاطعة تابعة لسيطرة الروم، تورط الفرس والروم بمعارك دامية دامت قرون. فمن المحال، اذن، ان يتم توكيلهما سويتا كشريكان لحماية او ادارة شؤون احدى مقاطعات بلاد العرب.
وبهذا، لم يتبق لنا الا احتمال قراءة “فرس” بمعنى الفروسية وذلك بقراءة الكلمة عربيا “فُرْسان” (او ربما “فُرْسُ”) جمع “فارس”. الا اني اميل بشدة الى ان الكلمة كانت “فُرْسان” واعتقد واثقا بوجود نون وسطية في المنطقة شديدة التلف بين حرفي السين والواو، لم يرها دوسو في ترجمته الحرفية للعبارة “فرسولروم”، وهذا ما ساناقشه فيما بعد. ووفقا لقراءتي، فانني اترجم العبارة حرفيا من النبطية على انها “فرسنولروم” واقرأها عربيا ككلمة مركبة، وهي “فرسانولروم” (بمعنى فرسان الروم)، وفيها حذف الكاتب حرف الالف من كلمة “الروم” لانه جاء بعد حرف الواو في نهاية الكلمة السابقة “فرسانو”. وقد سقطت هذه الممارسة تدريجيا في كتابتنا العربية المعاصرة.  وحسب اعتقادي كتبت هذه الكلمة حسب النطق بشكل مطابق تماما مع الطريقة التي تهجى بها كاتب نص النمارة اسم الملك امرؤ القيس، في كلمة “مرءلقيس”. بل وهو مطابق ايضا للطريقة التي تهجى بها كاتب النص في احد نقشي السكاكة العربيين، غير النبطيين، المتقاربان معه زمنيا.(1) ولان اسم امرؤ القيس يُلفظ حرفيا “امرءُلقيس” بحركة ضمة ثقيلة بعد حرف الهمزة، وكأننا نلفظ حرف الواو عينه (كما في “امرءولقيس”)، لم يضع كاتب النمارة حرف الالف في بداية كلمة “القيس” اللاحق للهمزة بالواو المستترة. ولتسليط الضوء على صواب تحليلنا هذا نود ان نلفت انتباه القارئ الى ان الغالبية العظمى تكتب هذا الاسم في العربية المعاصرة بهمزة تحتها واوا، وتحديدا امرؤ القيس، الا ان العديد ايضا يكتبها امرءُ القيس، بحركة الضمة. ومازلنا في نقاش الالف في ال التعريف، ولغرض المقارنة، نرى ان كاتب النمارة لم يحذف الالف عندما سبقتها كلمة تنتهي بالضمة اللينة، كما في عبارة “ملكُ الاسديين” في بداية السطر الثاني.
اما حرف الواو الذي تبع النون في كلمة “فرسانو” فقد يكون واو الجمع الذي يميز جمع المذكر السالم، وتلازمه في هذه الحالة نون الجمع ايضا، الا ان النون تحذف عند الحاقها بكلمة مضافة لاكمال المعنى كما في “بنو أسد” واصلها “بنون اسد”. وكلمة فرسان في التركيب “فرسانولروم” هي اسم المضاف وكلمة  الروم الاسم المضاف اليه. ويبقى هناك احتمال اخر ان تكون الواو في “فرسانو” “واو الاشباع” او “واو الصلة” للتوكيد على حركة الضم المرفوعة على حرف النون كما اوضحنا في الحديث عن كلمة “ملوكهمو” في السطر الثاني.
كما ذكرنا سابقا، قرأ دوسو كلمة “فرسو” عربيا في البداية على انها “فارِسو”، ربما لاعتقاده انها صيغة جمع لكلمة فارس. الا انه لم يكن راضيا، كما يبدو، عن قراءته هذه فعاد ونبذها عام 1950 عند اعادته قراءة نقش النمارة من جديد. وقد كان لحيرته في قراءة هذه الكلمة ما يبررها، فسطح الصخرة الذي تشغله حروف كلمة “فرس” تالف جزئيا بفعل عوامل الطبيعة. ولكن ورغم ذلك فكل ما تحتاجة لفظة “فرسو” لتضحي فرسانو” هو حرف النون بين السين والواو. ولحسن الحظ لا حاجة بنا ان نحلم بوجود حرف النون هذا. اذ بامكاننا اقتفاء اثره عند اعادة النظر بتفحص شديد في الحروف النبطية المحفورة في الجزء التالف الذي تشغله حروف الكلمة.  وهذا مافعلته بالضبط. فخط الواو النازل حسب تتبعي للحرف كان يؤشر يمين في نهايته ولم يكن عموديا تماما كما رسمه دوسو. والاهم من هذا ان الخط النازل لحرف السين انعطف صاعدا من جديدا ليكون في دورته ما يشبه حرف U في الكتابة اللاتينية. وقد كان مغزى ذلك على الاغلب لتشكيل حرف النون الوسطية الصغيرة المفقودة قبل اتصالها بدائرة حرف الواو. واضافة الى ما تقدم، نود ان نجلب انتباه القارئ الى ان فسحة الفراغ ما بين حرفي السين والواو كانت واسعة نسبيا مما يجعل سبب وجودها موضعا للتساؤل المشروع. ومهما كان الحال، ونظرا للضرر البليغ الذي اصاب الصخرة في هذا الجزء من النص، يجب ان نعترف اننا سوف لن نعلم علم اليقين ابدا ان كان هناك حرف نون وسطي حقا ام لا.
قراءتي لكلمة “فرسو” بالعربية على انها “فرسانو”، اكثر اقناعا من قراءة دوسو لها “فارِسو”. وهي بكل تأكيد اكثر اقناعا من  قراءة بلمي العربية لها “فرأسو”، بمعنى جعلوه رئيسا عليهم. اذ اعتقد بلمي، الذي اعاد تتبع ورسم الحروف النبطية لعبارة دوسو بشكل جديد، ان عبارة “فرسولروم” كانت في الواقع “فراسولروما”، وقراءها عربيا “فرأسو لِروما”. ورغم ان بلمي، والذي كان قد تفحص صخرة النمارة عن قرب ولشهور،  كان محقا مثلي في شكه بصحة رسم دوسو لحروفها النبطية، الا انني لا ارى كيف استطاع اقتفاء اثر همزة في ذلك الحيز الضيق المحصور بين حرفي الراء والسين. والهمزة بعكس الألف لا يمكن حذفها في مثل هذه الحالة، خاصة وان كاتب النمارة كان قد استخدمها في كل المواضع المماثلة الاخرى من النص. للوهلة الاولى، تبدو قراءة بلمي مقبولة في معناها على نحو ما الا انها سرعان ما تنهار لغويا عند قراءتها سويتا مع الكلمة التي سبقتها “ووكلهنّ” والتي يجب الحاقها بالضرورة اللغوية باسم الشخص او الجهة المانحة للحماية في هذه الحالة. وبغير ذلك يجب ان تكون الكلمة “وتوكلهن” لاعطاء المعنى الذي اراده بلمي الا وهو ان المنتصر (سواء كان عكدي او امرؤ القيس) وضعهم تحت حمايته. وبحسب قراءة بلمي فان امرؤ القيس كان قد وضع مذحج المهزومة تحت حمايته مما حدا بهم  للقبول بسيادة الروم عليهم.  ولكن علينا ان نتسائل، لم يعمل ملك عربي بهذا الحماس وهذه المثابرة لتحقيق مصالح الرومان قبل مصالحه؟ فحقائق التأريخ بينت لنا ان ملوك العرب في ذلك العصر لم يتحمسو للخضوع تحت سلطة اي من الروم او الفرس، والعلاقة السائدة بينهم لم تكن الا لحماية مصالحهم المشتركة. (6) اما شروح بلمي المستفيضة عن فروق معانى كلمتي “ملك” و “رئيس” واستخدامتها عربيا فلم تكن مقنعة باي حال من الاحوال. كما ان قراءته للكلمة الاخيرة على انها “روما” (اي مدينة روما) كانت محيرة ومربكة.  اذ ورغم ان العرب كانو قد  اشارو الى الروم البيزنطينين بكلمة “الروم” الا ان هؤلاء الروم غير روم الامبراطورية الرومانية في روما (روما الحالية في ايطاليا). لِم يتحدث كاتب النمارة، اذن، عن مدينة روما، حسب اعتقاد بلمي؟
قرأ عبرها بعض الباحثين كلمة “ووكلهنّ” بمعنى “وكلوهم” لتكون العبارة حسب قراءتهم بمعنى “ووكلوهم فرساناً للروم” ( جعلوا منهم فرساناً للرومان). الا انني لا املك ادنى فكرة عن الوسيلة او الكيفية التي توصلو فيها الى ذلك. فهذا الافتراض الذي لا سند له اهمل اعتباطيا احد حرفي الواو واضاف من وحي الخيال حرف ميم في اخر كلمة “ووكلهن” بدلا من حرف النون. ورغم انه اضاف حرف نون بعد السين (كما فعلتُ انا) الا انه استبدل الواو بالالف واضاف حرف لام اخر قبل كلمة “لروم”. للاسف، هذه القراءة الاعتباطية المتناقضة مع الدلائل المادية (ومثيلاتها) هي اكثر القراءات شيوعا في العالم العربي اليوم، ربما بسبب اخفاق قراءات المستشرقين الركيكة في اقناع اي احد، حتى الان. (27)
كانت العبارة الاخيرة في السطر الرابع “فلم يبلغ ملك مبلغه” واضحة جدا وقد اتفق جل الباحثين على قراءتها على هذا النحو. وبرغم وضوحها لغويا الا ان  مضمونها ومعناها يمكن ان يكون صعبا وغامضا، بل ومخادعا. فهذه الجملة قد تعني احد امرين. الاول، “لا احد، وان كان ملكا، استطاع انجاز ما انجزه” هذا الشخص”. والثاني، “لم يستطع ملك اخر انجاز ما انجزه”. فهناك فرق بسيط لكنه جذري بين المعنيين. فالتفسير الثاني يحمل القارئ على الاعتقاد بان العبارة كانت تشير الى الملك الوحيد المذكور في النمارة الا وهو امرؤ القيس، ويعطي الانطباع ان نقش النمارة كان  يعدد انجازاته كما ذهب دوسو والاخرين. ولكني التمس القارئ عذرا للاختلاف في تفسير معنى هذه الجملة. اذ اعتقد انها جاءت بالمعنى الاول، اي انها اشارت الى ان عكدي حقق ما لم يستطع اي ملك تحقيقه في اهزامه لمذحج. ونحب تذكير القارئ الى ان من الشائع بالعربية عند التفاخر والتباهي القول “حتى الملك لا يفعل هذا او لا يملك هذا..الخ”. والاهم من ذلك، ووفقا لمراجع التاريخ التي وضعت قبل قراءة دوسو لنص النمارة، لم ينقل لنا اي باحث ان الملك امرؤ القيس استطاع بسط نفوذه على بلاد اليمن او مذحج.
حسب قراءتي للنص، فان السطرين الثالث والرابع ليسا الا جزءا من فقرة تفصيلية واحدة تتعلق بالحدث او الانجاز الاستثنائي الوحيد المعلن في نقش النمارة، الا وهو هزيمة مذحج، والتي تم اعلانها في نهاية السطر الثاني. اذ يبدو ان غاية هذه الفقرة الاساسية كانت اعلام القارئ بتفاصيل عن موقع المعركة الجغرافي، مجرى الحرب واحداثها، واخيرا نتائجها. فجميع الكلمات الرئيسية المذكورة في هذه الفقرة المتكاملة، مثل “مذحج” و”نجران” و” الشعوب” و”شمر” و”الروم”، كانت متعلقة بموقع جغرافي واحد وهو اليمن وباطار زمني واحد، حوالي 328م.
بهذا، واجمالاً لما تقدم، انا اقرأ بالعربية الحديثة وكفقرة واحدة، ما جاء في النص ابتدائاً من كلمة “هرب” في السطر الثاني ووحتى نهاية السطر الرابع، كالاتي: “هزم عكدي قبائل مذحج ثم اشتبك معها في قتال شرس في شعاب وازقة نجران، مدينة شمر، ملك مضر، و بعد انتصاره عامل اسراهم من النساء والاطفال وكبار السن بشكل مميز ثم وضعهم تحت حماية فرسان الروم، فكان انجازه هذا انجازا خارقا لم يحققه من قبل حتى الملوك”. وقراءتي هذه ليست افتراضا او خيالا اعتباطيين وانما هي قراءة تستند على الحقائق التاريخية والجغرافية، وقبل كل شيء، على الحقائق اللغوية، العربية والنبطية، لنص نقش النمارة.
السطر الخامس
يبتدأ السطر الاخير للنمارة بكلمة عكدي التي سبق نقاشها أثناء معالجتنا لها في نهايات السطر الثاني. ولم يكن ابتداء السطر الاخير بهذه الكلمة محض صدفة. فكلمة “مبلغه” في نهاية السطر السابق كتبت بحروف مبالغ  في كبر حجمها، و تبعها فراغ واسع متعمد خالي من الكتابة، على عكس بقية النقش. اذ يبدو ان كاتب النقش اراد البدء بفقرته او جملته النهائية على سطر جديد. كما انه تعمد تكرار اسم عكدي للمرة الثانية في بداية هذا السطر تنبيهاً للقارئ من أن هذا النقش كان عن عكدي، بالذات، وليس غيره. اما الكلمة التي تلت كلمة “عكدي” فكانت الفعل “هلك” بكل وضوح، وبذا تكون العبارة الاولى من فقرة السطر الاخير “عكدي هلك” بتقديم اسم الفاعل على الفعل، تماما كما وردت عبارة “هي هلكت” في نقش رقوش الاقدم عهدا من النمارة. (11) وفي اللغة العربية الفصحى السليمة يتقدم الفعل على الفاعل، عموما، الا ان ذلك غير ملزم نحويا.
بعد الاعلام عن تاريخ الوفاة باليوم والشهر والسنة يختتم كاتب النمارة النص بعبارة “بالسعد ذو ولدهُ” بحسب قراءة دوسو العربية. وهذه القراءة مبهمة وغامضة عربيا. او بكلمة اخرى انا غير قادر على فهمها نحويا. ولكنني اتفق تماما مع ترجمة دوسو الحرفية من النبطية لهذه العبارة على انها “بلسعدذوولده” باسثناء ترجمته للحرف الاول، فهو حرف الياء بوضوح، كما ذهب بلمي على صواب، وليس حرف الباء. اذ يمكن لقارئ النبطية التمييز بسهولة بين حرفي الباء والياء لان الخط النازل في حرف الباء يكون خط عمودي مستقيم عادة بينما يكون هذا الخط منبعج قليلا قبل نزوله في حرف الياء.
كما انني غير قادر على استيعاب حيثيات عبارة “يا لسعدِ ذو والَوهُ” حسب تتبع بلمي الجديد للحروف النبطية وبعد قراءته العربية الجديدة لها. وقد فسرها  بلمي بمعنى “يالسعادة من تَبَعَهُ”.  اذ لم استطع العثور على حرف الواو الثانية التي زعم بلمي وجودها في كلمة “ولوه” التي تضمنتها ترجمته الحرفية الجديدة عن النبطية، مستعيضا بها عن حرف الدال في كلمة “ولده”، حسب ترجمة  دوسو الحرفية. انني اعتقد بشدة ان قراءة بلمي لهذه الكلمة كانت قد أقحمت عنوتاً لاعتقاده المسبق ان صخرة النمارة هي شاهدة ضريح الملك امرؤ القيس، كما فعل دوسو.
اما قراءتي العربية للعبارة الاخيرة حسب رسمي الجديد المعدل لحروفها النبطية، وهو رسم مشابه لرسم دوسو باستثناء الحرف الاول، وتحديدا عبارة “يلسعدذوولده”،  فقد كانت “يالسعدِ ذو وَلَدَه” بمعنى “يالسعادةِ الذي وَلَدَهُ”. والكلمة الاولى “يا” هي ياء التنبيه والغرض منها التنبيه او الاعجاب، وهي الياء ذاتها التي استخدمت في كلمة “تيا” في مطلع نقش النمارة، وقد وردت هنا لجلب انتباه قارئ النص لكلمة “سعد” التي جاءت بمعنى “سعادة”. وعلى خلاف “ذو” التي جاءت في نهايات السطر الاول متبوعة باسم، جاءت “ذو” في هذه العبارة متبوعة بالفعل “وَلَدَه” ، بمعنى انجبه، ولذا كان استخدامها بمعنى الاسم الموصول “الذي”. وبذا تكون العبارة الختامية للنقش بالعربية الحديثة “يالسعادة والديه وفخرهم به”، وهذه عبارة تقليدية تُقال حتى يومنا هذاعند نقل الخبر المحزن بمقتل جندي (وليس ملك) لاهله ومحبيه، او عند تسليم جثته لوالديه.
3.6 خاتمة
افترض جميع قراء نقش حجر النمارة لاكثر من قرن ومنذ عثور دوسو عليها عام 1901 م ان هذا الحجر المعروض الان في متحف اللوفر بباريس كان شاهد قبر اهم ملوك العرب قبل الاسلام:  امرؤ القيس بن عمرو. الا انني وبعد استقصائي المعمق لحروف النقش النبطية وبعد ترجمتها للحروف العربية توصلت الى ان هذه الفرضية المعتمدة على قراءة دوسو الاولية، فرضية خاطئة وغير دقيقة.
فبعد اعادة قراءتي لنقش النمارة ولنقشي ام الجمال ورقوش (وهذه النقوش الثلاثة هي النقوش النبطية الوحيدة التي كتبت بلغة عربية، حسب ادعاء المستشرقين)، اكتشفت ان نقش النمارة كان يتحدث عن فارس مجهول اسمه عكدي، وهو قد يكون شخصية قبلية عربية او احد المحاربين العرب، ممن استطاع من خلال عمله تحت امرة قوات الروم او بالتنسيق معها ان يوقع الهزيمة بقبيلة مذحج القوية والمتنفذة في بلاد اليمن، اوائل القرن الرابع الميلادي. وحسب قراءتي يمكننا تقسيم نص نقش النمارة الى ثلاثة اجزاء، فقرة المقدمة وهي عبارة قسم وتعظيم لروح الملك امرؤ القيس ليس الا، وفقرة المتن وهي فقرة طويلة تفصيلية تصف انجازات عكدي وانتصاراته في معركة واحدة لاغير، والخاتمة التي تعلن وفاة عكدي وتأريخها.
تكمن اهمية قراءتي لنقش النمارة  تحديدا في اثباتها ان لغة هذا النقش، والتي قرأها جمع غفير من الباحثين بعربية ركيكة اعجمية، كانت في واقع الحال لغة عربية فصحى متينة لاتشوبها اية شائبة لغوية او نحوية. ونظرا لان نقش النمارة جاء قبل اربعة قرون من الاسلام، فان قراءتي الجديدة له ستجعله دليل مادي قاطع وملموس ومرجع معتمد، يثبت ان العربية الفصحى، او كما اسماها المستشرقون بالعربية الكلاسيكية، لم تكن وليدة العصر الاسلامي ولم تكن لغة محصورة في استخدامها عند قوم عربي معين او في موقع جغرافي محدد. انما هي اللغة الام التي كتبت وفقها اقوام العرب المختلفة نصوصها وخطاباتها الهامة وتغنت باستخدامها في تأليف اشعارها الجميلة، قبل وبعد الاسلام.
وفي الختام، اضع بين يدي القارئ الكريم، ادناه، قراءتي لنقش النمارة بالكلمات العربية الحديثة وفقا لترجمتي الحرفية عن النبطية، بعد اضافة حروف الالف والحركات وازالة حروف الواو النبطية الاضافية وابدال الراء النبطية بالنون، وبعد اضافة فوارز ونقاط وكلمات بديلة داخل الاقواس، وذلك للتوضيح:
تَيا (قَسماً يا ؛ يا) نَفسُ (روحُ ؛ دَمُ) امرؤ القيس بن عَمْرو، مَلِكُ العَرَبِ كُلُّها، ذو أسَد التاج (كُنية)، ومَلِكُ الأسَديين (قبائل أسد في نَجْدْ) ونَزارٍ (بنو نَزار في الحجاز) وملُوكَهُمُ. (لقد) هَرَّبَ مِذْحِج (قبيلة يمانية) عكْدي (اسم علم)، وجاء (اي عكْدي) يزُجُّها (يُقاتلها بضراوة) في رُتِجِ (أزقة ؛ طُرُقْ ضَيّقة) نَجران، مدينة شِمرْ (الملك شِمرْ يَرعشْ)، مَلِكُ مَعَدٍ (بنو مَعَدْ)، وبَيّنَ (مَيّزَ بَيْنَ) بنيها الشعوب (فروع قبيلة مِذْحج)، ووكَّلَهُنَّ (وَضَعَهُنَّ تحت حماية) فُرْسانُ الروم، فَلمْ يبلغْ مَلِكٌ (اي حتى مَلِكٌ) مَبلَغَه (ما بَلَغَهُ عكدي). عكْدي هَلَكَ (مات ؛ قُتِلَ) سَنَة 223 (328م)، يَومْ 7 بكسلولْ (كانون الأول)، يالِسَعْدِ (يالسعادةِ) ذو (الذي) وَلَدَه (أَنْجَبَهْ).
قائمة مختارة لمصادرالبحث العربية والاجنبية

1.  Abulhab, Saad D. “Roots of the Arabic script: from Musnad to Jazm. Two Parts.” Dahish Voice 13, no. 2: 23-32 (2007) & no. 3: 20-29 (2009.). http://arabetics.com/html/more/History_of_the_Arabic_Script_article_Arabic.htm
2. ʿAlī, Jawād. Tarīkh al-ʿArab qabla al-Islam. Baghdad: al-Mujammaʿ al-ʿIlmī al-ʿIrāqī, 1959.
جواد علي. تأريخ العرب قبل الاسلام. بغداد: المجمع العلمي العراقي، 1959.
3.  Assyrian Information Management. Aramaic Lexicon and Con­cordance. http://www.atour.com/dictionary/
4. Bazrāwī, Bāsil. “al-Tāʾ fī al-Lughah al-ʿArabiyyah: Khaṣaʾisuhā al-ṣawtiyyah wa-Istikhdāmātihā.” http://pulpit.alwatanvoice.com
     باسل بزراوي. التاء في اللغة العربية: خصائصها الصوتية واستخداماتها
     5. Beeston, A. F. L. “Languages of Pre-Islamic Arabia.” Arabica, June-September: 178-186.
6. Beeston, Alfred Felix L. “Pre-Islamic Arabia to the 7th Century AD.” Encyclopedia Britannica, Academic Edition. http://www.britannica.com/EBchecked/topic/31568/history-of-Arabia/45972/Himyarites#ref484255
7. Bellamy, James A. “A new Reading of al-Namārah Inscrip­tion.” Journal of the American Oriental Society 105 (1985): 31-48.
8. al-Fawzān, ʿAbd Allāh bin Ṣāliḥ. Dalīl al-Sālik ilá Alfiyyat bin Mālik. al-Maktabah al-ʿIlmiyyah. http://Alfuzan.islamlight.net
      عبد الله بن صالح الفوزان. دليل السالك الى الفية بن مالك. المكتبة العلمية.
9. Ḥaṭṭāb, Muḥammad Jamīl. Muʿjam Maʾānī Asmāʾ al-Mudun wa-al-Qurá fī Muḥāfaẓat Ṭarṭūs. al-Lādhiqiyyah: Dār al-Mirsāh lil-Ṭibāʿah wa-al-Nashir wa-al-Tawzīʿ, 2008.
محمد جميل حطاب. معجم معاني اسماء المدن والقرى في محافظة طرطوس. اللاذقية: دار  المرصاح للطباعة والنشر والتوزيع، 2008.
10. Healey, J. F and Dhuyayb, Sulaymān ibn ʿAbd al-Raḥmān. The Nabataean Tomb Inscriptions of Madaʾin Salih. London: Oxford Univer­sity Press, 1993.
11. Healey, J. F. and Smith, G.R. “The Earliest Dated Arabic Docu­ment 267 AD.” Atlal: The Journal of Saudi Arabian Ar­chaeology. 12 (1989): 77-84.
12. Ibn Mālik, Jamāl al-Dīn bin Muḥammad bin ʿAbd Allāh. Alfiyyat Ibn Mālik. al-Maktabah al-Ḥurrah. http://ar.wikisource.org/wiki/
ابن مالك، جمال الدين بن محمد بن عبد الله. الفية ابن مالك. المكتبة الحرة
13. Ibn Manẓūr, Abū al-Faḍl Jamāl al-Dīn Muḥammad bin Mukar­ram. Lisān al-ʿArab. http://www.islamweb.net/newlibrary/
ابن منظور، ابو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم. لسان العرب.
14. al-Khawārizmī. Muftāh al-ʿŪlūm. al-Bāb al-Sādis, fī al-Akhbār. al-Maktabah al-Ḥurrah. http://ar.wikisource.org/wiki/
الخوارزمي. مفتاح العلوم. الباب السادس: في الاخبار. المكتبة الحرة.
15. Lendering, Jona. “Sasanians. Ancient Persia.” http://www.livius.org/sao-sd/sassanids/sassanids.htm
16. Mādūn, Muḥammad ʿAlī. Khaṭṭ al-Jazm ibn al-Khaṭṭ al-Musnad. al-Ṭabʿah al-ʾŪlá. Dimashq: Dār Ṭlās lil-Dirāsāt wa-al-Terjamah wa-al-Nashr, 1989.
محمد علي مادون. خط الجزم ابن الخط المسند. الطبعة الاولى. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر. 1989.
17. al-Maghribī, ʿIyāḍ bin Mūsá al-Yaḥṣibī al-Sabtī. al-Sīrah al-Nab­awiyyah: Kitāb al-Shafāʾ bi-Taʿrīf  Ḥuqūq al-Muṣṭafá. Dār al-Fikr, 2002.
عياض بن موسى اليحصبي السبتي. السيرة النبوية: كتاب الشفاء بتعريف حقوق المصطفى. دار الفكر، 2002.
18. al-Maḥallī, Jalāl al-Dīn, and Jalal al-Dīn al-Sayyūṭī. Tafsīr al-Jalālayn. Bayrūt: al-Ṭabʿah al-Thālithah. Dār al-Maʿrifah, 1984.
جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي. تفسير الجلالين. الطبعة الثالثة. بيروت: دار المعرفة، 1984
19. Makhlūf, Ḥusayn Muḥammad. Ṣafwat al-Bayān li-Maʾānī al-Qurʾān. al-Kūwayt: Wizārat al-Awqāf wa-al-Shu’ūn al-Islāmiyah, 1987. al-Ṭabʿah al-Thālithah.
حسين محمد مخلوف. صوت البيان لمعاني القرآن. الطبعة الثالثة. الكويت: وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية، 1978.
20.  al-Maʿrifah: al-Mawsūʾah al-Ḥurrah li-Khalq wa-Jamʿ al-Muḥt- awá al-ʿArabī. Mamlakat Tannūkh. http://www.marefa.org
مملكة تنوخ. المعرفة: الموسوعة الحرة لخلق وجمع المحتوى العربي.
21. al-Marīkhī, Mishliḥ bin Kamīkh, Ghubān, ʿAlī Ibrāhīm. “Naqsh Wāʾil bin al-Jazzāz al-Tidhkārī al-Muʾarrakh ʿām 410 Mīlādī.” Mudāwalāt al-Liqāʾ al-ʿIlmī al-Sanawī al-Thālith lil-Jamʿiyyah. Masqaṭ, Jāmiʿat al-Sulṭān Qābūs, 2001.
مشلح بن كميخ المريخي وعلي ابراهيم غبان. نقش وائل بن الجزاز التذكاري المؤرخ 410 ميلادي. مداولات اللقاء العلمي السنوي الثالث للجمعية. مسقط: جامعة السلطان قابوس، 2011.
22.  al-Munjid al-Abjadī. al-Ṭabʿah al-Ūlá. Bayrūt: Dār al-Mashriq, 1967.
المنجد العربي. الطبعة الاولى. بيروت: دار المشرق، 1967.
23. OʾConnor, M. “The Arabic Loanwords in Nabataean Aramaic.” Journal of Near Eastern Studies. 45, no. 3 (July 1986): 213-229
24.  Patrich, Joseph. The Formation of Nabataean Art: Prohibition of a Graven Image among the Nabataeans. Jeru­salem: The Magnes press.
25. Rabin, Chaim. Ancient West Arabian. London: Taylorʾs Foreign Press, 1951.
26. al-Ṣanʿānī, Muḥammad bin Ismaʿīl al-Amīr. Subul al-Salām: Sharh Bulūgh al-Marām min Adillat al-Iḥkām. Bayrūt: Dār al-Kutub al-ʿIlmiyyah, 2006.
محمد بن اسماعيل الامير الصنعاني. سبل السلام: شرح بلوغ المرام من ادلة الاحكام. بيروت: دار الكتب العلمية، 2006.
27.  Shahid, I. Philological Observations on Namara Inscrip­tion. Journal of Semitic Studies. 24 (1979): 33-42.
28. al-Ṭabarī, Abū Jaʿfar Muḥammad bin Jarīr. Taʾrīkh al-Ṭibarī: Taʾrīkh al-Rusul wa-al-Mūlūk. al-Qāhirah: Dār al-Maʿārif, 1977.
ابو جعفر محمد بن جرير الطبري. تأريخ الطبري: تأريخ الرسل والملوك. القاهرة: دار المعارف، 1977.
29. Wenning, Robert. “The Betyls of Petra.” Bulle­tin of the American Schools of Oriental Research 324 (November 2001): 79-95.
30.  Wikībīdyah: al-Mawsūʿah al-Ḥurrah. “al-Manādhirah.” http://ar.wikipedia.org
المناذرة. وكيبيدية: الموسوعة  الحرة.
31. Winnett, F. V. “A Himyaritic Inscription from the Persian Gulf Region.” Bulletin of the American Schools of Ori­ental Research. 102 (April 1946): 4-6.
32. Wright, W. A Grammar of the Arabic Language. Lon­don: Cambridge University Press, 1955.      Third Edition.

غير متصل المجموعة العربية

  • منتمي
  • *****
  • مشاركة: 2555
رد: نقش النمارة العربي النبطي (328م)
« رد #1 في: مايو 19, 2013, 04:22:49 pm »
..................................